وزعم البيان أن “السلطات المصرية تشن حملة لزعزعة الاستقرار في القرن الإفريقي، للنيل من إثيوبيا” من خلال استخدام “دول تابعة مطيعة وضعيفة ومنقسمة”.
في المقابل، أثارت اللهجة التي استخدمها البيان الإثيوبي انتقادات في الأوساط المصرية، حيث اعتبر محللون وخبراء أن “أديس أبابا تلجأ إلى خطاب حاد وتكرر الاتهامات القديمة في محاولة لصرف الأنظار عن السلوك الأحادي في إدارة سد النهضة”.
ويرى أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، أن البيان الإثيوبي الأخير يعكس انزعاجا واضحا من الدور المصري المتنامي في منطقة القرن الإفريقي، وهو ما بدا “طاغيًا على لغة ومضمون البيان”، على حد قوله.
وأوضح شراقي في تصريحات خاصة لموقع “سكاي نيوز عربية”، أن “تكرار الادعاء بأن مصر ترفض الحوار يفتقر إلى الدقة”، مشددا على أن القاهرة “تمسكت بالمسار التفاوضي منذ عام 2011، سواء عبر المفاوضات المباشرة بين مصر والسودان وإثيوبيا وحتى عام 2019، أو من خلال المسار الذي رعته الولايات المتحدة والبنك الدولي بين نوفمبر 2019 وفبراير 2020، والذي انتهى بتغيب إثيوبيا عن حضور جلسة التوقيع، بينما وقعت مصر على مسودة الاتفاق إثباتًا لحُسن النية”.
وأشار إلى أن “مصر شاركت لاحقا في جولات تفاوضية متتابعة برعاية الاتحاد الافريقي، كان آخرها المسار الذي انطلق عقب قمة دول جوار السودان في القاهرة عام 2023، وامتد لخمسة أشهر قبل انتهائه دون اتفاق بسبب التعنت الإثيوبي”.
وأكد شراقي أن اتهام مصر برفض الحوار “يتعارض مع الواقع”، لافتًا إلى أن جميع التصريحات المصرية الرسمية، خارجيًا وداخليًا، تدعو باستمرار إلى اتفاق قانوني ملزم يحفظ حقوق الدول الثلاث.
كما وصف شراقيالاتهامات الاثيوبيةلمصر بأنها “غارقة في الحقبة الاستعمارية” بأنها بلا أساس، موضحًا أن “الاتفاقيات التاريخية الخاصة بمياه النيل أُقرت دوليًا، بما فيها الاتفاقيات الموقعة مع إثيوبيا ذاتها، والتي لم تكن خاضعة للاستعمار عند توقيعها”.
وأشار أيضًا إلى أن الادعاء بأن مصر “تحتكر مياه النيل” يتناقض مع الحقائق العلمية، متسائلًا: “كيف يمكن لدولة مصب تقع في أدنى حوض النهر أن تحتكر المياه المتدفقة من دول المنابع؟”، مؤكدًا أن “القدرة على التحكم المائي هي بطبيعتها لدى دول أعالي النيل وليس المصب”.
وشدد شراقي على أن تلك الاتهامات “تساهم في زيادة التوتر القائم بالفعل، في ظل غياب أي محاولات جادة لاستئناف المفاوضات منذ إعلان فشلها في ديسمبر 2023، باستثناء بيانات متبادلة بين الحين والآخر، لا تقدم جديدًا ولا تغير من واقع الجمود الراهن”.
وعلى هذا المنوال، مضى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، قائلا إن البيان الإثيوبي “يكرر المواقف ذاتها التي اعتادت أديس أبابا طرحها في السنوات الأخيرة، دون أن يقدم إضافة تُذكر أو يغير من جوهر الأزمة”.
وأضاف هريدي في تصريحات لموقع “سكاي نيوز عربية”، أن “البيان تضمن افتراءات ومزايدات على الموقف المصري، والادعاء بأن القاهرة ترفض الحوار غير صحيح على الإطلاق”.
وتابع: “الجانب الإثيوبي هو من يتهرب باستمرار من أي التزام يخص الأسلوب الأمثل لإدارة سد النهضة بما يحقق الاستخدام الرشيد والمنظم للنيل الأزرق، وفق القواعد الدولية المتعارف عليها”.
وأكد مساعد وزير الخارجية الأسبق أن تبادل التصريحات والبيانات المضادة بين القاهرة وأديس أبابا لن يقود إلى أي تقدم، بل يزيد المشهد تعقيدا، ويبتعد بالأطراف عن مسار الحل، مشددا على أن “المصلحة المشتركة تقتضي التهدئة والعودة إلى قنوات الدبلوماسية والعمل على اتفاق عادل ومتوازن”.
وتمثل إدارة سد النهضة الإثيوبية نقطة خلاف كبيرة بين القاهرة وأديس أبابا، ففي حين تقول القاهرة إن مصر والسودان كدولتي مصب لنهر النيل تتأثران بالسياسات الإثيوبية على مجرى النهر، وتدعو للتعاون والتنسيق في إدارته وفقا للقانون الدولي باعتباره نهرا دوليا مشتركا، فيما ترى أديس أبابا في المقابل أن السد على أراضيها وأن النهر يخضع لسيادتها.
وسبق أن أعلنت مصر انتهاء مسار التفاوض بشأن السد، متهمة إثيوبيا بالتعنت وإفشال المفاوضات، مؤكدة أنها تحتفظ بحقها في الحفاظ على مصالحها الوجودية وفقا للقانون الدولي، باعتبار نهر النيل مصدر الحياة في البلاد ومصدرها الوحيد للمياه.
