قلعة طرابلس بناءٌ إسلاميٌ لا صليبي/ إعداد ماجد الدرويش

فكرة هذا البحث نشأت عندي يوم تلطف الكُتُبي الأستاذ المميز ناصر جروس بالطلب أن أشارك في الكتابة ضمن مجموع (طرابلس عاصمة للثقافة في كل الأزمنة) واقترح علي يومها أن أكتب عن (طرابلس في كتب الرحالة) . فكنت أثناء تتبعي للنصوص القديمة المعاصرة للحقبات الفاطمية والصليبية أجد تناقضا ظاهرا في تأويل الحوادث ، وبخاصة فيما يتعلق بتاريخ بناء حصن طرابلس. فبدأت بمقارنة النصوص مع بعضها البعض ، حتى خرجت بهذه الخلاصة، وهي رأيي في الموضوع.

وقد ينظر البعض إلى هذا الموضوع من زاوية ضيقة غير الزاوية التي انطلقت منها: وهي البحث التاريخي المجرد بعيدا عن الاصطفافات المعلومة. إلا أن هذا لا ينبغي أن يمنعنا من البحث الجاد في المسألة.

موجز فتح طرابلس

افتتح المسلمون طرابلس زمن خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة (٢٥) خمس وعشرين للهجرة، وأثناء الحصار أقيم عليها حصن خشبي يأوي إليه العسكر ليلا.

كانت قبلُ تحت الإدارة الرومانية، وقبلها كانت فينيقية، ثم خضعت لحكم الاسكندر المقدوني، ثم للإمبراطورية السلوقية، ثم بيزنطية، وغيرها، فقد تعاقبت عليها حضارات كثيرة لما لموقعها الجغرافي من أهمية استراتيجية، كونها ساحل بلاد الشام التاريخية (سورية الكبرى) ، لذلك عندما افتتحها المسلمون أسكنها معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما، والي الشام يومها، في بادئ الأمر جماعة من يهود الأردن ليكونوا حرسا للساحل.

ثم في زمن الخليفة عبد الملك بن مروان أسكنها جماعة من المسلمين بسبب الاضطرابات التي كانت تحدث فيها. وأعمرها عمارة حسنة، وأقام الحصون، وشحنها بالمقاتلة، ويذكر البلاذري أن عبد الملك أعاد بناء الحصنِ وحسَّنه، وقد وصفه ناصر خسرو في رحلته إلى طرابلس والتي كانت في الفترة الفاطمية قبل الفترة الصليبية.

يقول البلاذري (٢٧٩هـ) في فتوح البلدان (ص ١٢٩): “فلما استُخلف عُثْمَانُ وولىَّ معاويةَ الشام وجّهَ معاويةُ سُفْيَانَ بْن مجيب الأزدي رضي الله عنه إِلَى طرابلس، وهي ثلاثة مدن مجتمعة فبنى في مرجٍ عَلَى أميال منها حصنا سُمّي (حصنَ سُفْيَان)، وقطع المادة عن أهلها منَ البحر وغيره، وحاصرهم، فلما اشتد عليهم الحصار اجتمعوا في أحد الحصون الثلاثة وكتبوا إِلَى ملك الروم يسألونه أن يمدهم أو يبعث إليهم بمراكب يهربون فيها إِلَى ما قِبَلَهُ، فوجه إليهم بمراكب كثيرة، فركبوها ليلا وهربوا، فلما أصبح سُفْيَان، وكان يبيت كل ليلة في حصنه ويحصن المسلمين فيه ثُمَّ يغدو عَلَى العدو، وجد الحصن الَّذِي كانوا فيه خاليا فدخله، وكتب بالفتح إِلَى معاوية، فأسكنه معاوية جماعة كبيرة منَ اليهود، وهو الَّذِي فيه الميناء اليوم، ثُمّ إن عَبْد الملك بناه بعدُ وحصَّنَه. قَالُوا: وكان معاوية يوجه في كل عام إِلَى طرابلس جماعة كثيفة منَ الجند يشحنها بهم ويوليها عاملا فإذا انغلق البحر قفل وبقي العامل في جمعية منهم يسيرة. فلم يزل الأمر فيها جاريا عَلَى ذلك حَتَّى وَلِيَ عَبْد الملك، فقدم في أيامه بطريق من بطارقة الروم ومعه بشر منهم كثير، فسأل أن يعطى الأمان عَلَى أن يقيم بها ويؤدي الخراج، فأجيب إلى مسألته، فلم يلبث إلا سنتين أو أكثر منهما بأشهر حتى تحين قفول الجند عَنِ المدينة ثُمَّ أغلق بابها، وقتل عاملها، وأسر من معه منَ الجند وعدة منَ اليهود، ولحق وأصحابه بأرض الروم، فقدر المسلمون بعد ذلك عَلَيْهِ في البحر وهو متوجه إِلَى ساحلٍ للمسلمين في مراكب كثيرة فقتلوه”. انتهى.

فهذا النص يثبت أن عبد الملك بن مروان أعاد بناء الحصن وحصَّنه، وقد بناه بالحجارة، التي كانت أكثر مواد البناء استخدامًا في الفترة الأموية إضافة إلى الخشب والقرميد، حيث تم بناء معظم المباني في سورية التاريخية (دمشق، القدس، عنجر) باستخدام حجارة مقطّعة، وغالبًا ما كانت تتصف الحجارة المقطّعة الأموية بالجودة العالية وبأطرافها المستقيمة الحادة وبشدة ربطها ببعضها وبحجمها الكبير منتجةً بذلك مباني لا يوجد مثيل لعظمتها في تلك الفترة، [بحث العمارة الإسلامية في عهد الدولة الأموية (661-750م)].

وهذا يؤكد أن الحصن بناه عبد الملك بن مروان بالحجارة ، وقد رآه ناصر خسرو عندما قدم طرابلس في منتصف القرن الخامس (٤٣٣هـ) يوم كانت تحت حكم بني عمار. زمن الخلافة الفاطمية، وقد وجدت آثار تعود لبني عمار داخل القلعة لا زالت إلى الآن، منها المسجد المسدس الذي حوله الصليبيون إلى كنيسة، ومنها ضريح لأحد قضاة آل عمار. إلا أننا لم نجد أي آثار تعود للحقب الصليبية.

طرابلس في العصر الفاطمي (بني عمار)

يقول الرحالة ناصر خسرو في كتابه (سفر نامه: ٤٧)، واصفا القلعة: “وَفِي الْجَانِب الشَّرْقِي من الْمَدِينَة قلعة من الْحجر المصقول عَلَيْهَا شرفات ومقاتلات من الْحجر نَفسه وعَلى قمتها عرادات لوقايتها من الرّوم فهم يخَافُونَ أَن يُغير هَؤُلَاءِ عَلَيْهَا بالسفن”.

ووصفه القلعة بأنها من الحجر المصقول يتناسب مع فن العمارة الأموية. وهذا كله يؤكد أن القلعة كانت موجودة ومبنية بالحجارة قبل دخول الصليبيين البلاد واحتلالهم طرابلس.

وهذا يعني أنهم عندما حاصروا طرابلس كانت القلعة قائمة، وبالتالي فليسوا هم من بنوها، وإن كان من الممكن أنهم زادوا فيها. والنص الوحيد الذي أُخذ منه أن الفرنجة بنوا القلعة هو ما جاء في كتاب (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) للشريف الإدريسي، الذي زار طرابلس سنة ٥٤٨ هـ زمن الحكم الصليبي، حيث قال: “ومنها في جهة الجنوب حصن بناه ابن صنجيل الإفرنجي، ومنه افتتح أطرابلس، وبينهما أربعة أميال، وهو حصن منيع جدا، وهو بين واديين”.

وبناءً على مقولة الإدريسي قال الأمير أبو الفداء الحموي في حوادث سنة ٤٩٩هـ من تاريخه: إن صنجيل أقام على طرابلس، «فحصرها وبنى بالقرب منها حصنًا، وبنى تحته ربضًا، وهو المعروف بحصن صنجيل، فخرج الملك أبو علي بن عمار صاحب طرابلس فأحرق الربض، ووقف صنجيل على بعض سقوفه المحَرَّقة، فانخسف به، فمرض صنجيل، لعنه الله، من ذلك، وبقي عشرة أيام ومات».

والسؤال الذي يطرح نفسه: إذا كان صنجيل هو الذي بنى القلعة، فما هو الحصن الحجري الذي وصفه خسرو وأنه من الحجر المصقول في شمال المدينة؟ ومعلوم أنه لا يوجد في طرابلس سوى حصنٌ واحد فقط. وبخاصة أن صنجيل توفي أثناء حصار المدينة قبل الاستيلاء عليها، بسبب حرق جيش طرابلس للربض الذي كان تحت القلعة، والحصار دام خمس سنوات كانت الحرب فيه سجال بين كر وفر، فهل سيتمكن في هكذا وضع من بناء حصن حجري ضخم بهذه السهولة؟

ولعل الأمر التبس عليهم لأنه ورد أن صنجيل بنى حصن عرقة ليحد من سلطة بوهيمند حاكم أنطاكية.

وأبو الفداء الحموي، أمير حماه بعد تحريرها من الصليبيين، متوفى سنة ٧٣٢هـ، وشارك في تحرير طرابلس من الفرنجةسنة ٦٨٨هـ، إلا أن مولده سنة ٦٧٣هـ ، يعني متأخر جدا عن سنة ٤٩٩هـ. وبالتالي هو كتب ما بلغه من كلام.

الراجح في بناء الحصن

والذي يترجح لدي أن الحصن كان موجودا وأن الفرنجة بنوا الربض فقط، وقد يكونون زادوا في عمارة الحصن. لكنهم ليسوا هم من بناه، وإن سمي باسم الأمير الذي سكنه.

وفي سنة ٦٦٩هـ ، عندما حاول السلطان الظاهر بيبرس تحرير المدينة من الصليبيين دك الحصن وسواه بالأرض، وبقي على حاله من الهدم إلى أن أتى السلطان المنصور قلاوون محررا طرابلس سنة ٦٨٨ هـ، فأعاد المماليك بناء الحصن سنة ٧٠٧هـ / ١٣٠٧م، بحسب رواية المقريزي (السلوك في معرفة دول الملوك: ٢ : ٤١٧ سنة ٧٠٧)، في زمن نائب طرابلس أُسُنْدُمر الكرجي، باني طرابلس المملوكية وبخاصة على ضفاف النهر والتي عرفت بسويقة أسندمر الكرجي، فذهب الاسم وبقيت السويقة.

ومن ثم جاء العثمانيون فحصنوا القلاع في بلاد الشام، ومنها قلعة طرابلس، وذلك في زمن السلطان سليمان القانوني. لكن بناءها الأساس اليوم هو مملوكي بالكامل. مع وجود بقايا معمارية من زمن الفاطميين، لكننا لم نجد آثارا معمارية تعود إلى الفن المعماري الذي امتازت به العمارة الصليبية.

فهذا كله يرجح أن الحصن كان موجودا قبل الحقبة الصليبية، وان الأمير النورماندي ريموند دي تولوز المعروف بابن سانت جيل نزله ولم يبنه، ومن الممكن انه حسن في بنائه، إلا أنه لم يبنه بالكامل، وبالتالي فالحصن ليس بناءً صليبيا. والله أعلم.

(الصورة المنشورة فوق لقلعة طرابلس في مطلع القرن العشرين، معالجة بالذكاء الاصطناعي، وهذا البناء مملوكي بالكامل.)

Exit mobile version