أحيت دار الفتوى في طرابلس والشمال بالتعاون مع “مركز صلاح الدين للثقافة والانماء”، يوم القدس وذكرى تحريرها على يد الفاتح صلاح الدين الايوبي، بلقاء أطلق خلاله مفتي طرابلس الشمال الشيخ محمد طارق امام نداء في المناسبة.
حضر اللقاء النائبان جهاد الصمد وايلي خوري، ممثل النائب اشرف ريفي كمال زيادة، النائب السابق احمد فتفت، المطرانان افرام كرياكوس ويوسف سويف، المفتي مالك الشعار، نقيب أطباء الأسنان ناظم حفار، محمد عبد الكريم ممثلا المجلس الاسلامي العلوي، ممثل عن الكنيسة الارمنية الارثوذكسية في طرابلس، رئيسا بلديتي طرابلس عبد الحميد كريمة والميناء عبد الله كبارة، نائب رئيس اتحاد بلديات الكورة ربيع الايوبي، منسق تيار “المستقبل” في الكورة عبد الستار ايوبي، رؤساء بلديات الكورة وفاعليات شمالية.
الايوبي
وقال رئيس “مركز صلاح الدين للثقافة والانماء” الدكتور هاشم الايوبي: “أن ينطلق نداء القدس كل عام من دار الفتوى، فلذلك دلالات وأبعاد، وبصورة خاصة هذه الأيام. فنداء القدس يسكن وجدان الأمة مهما عظمت الجراح واشتدت المآسي، وهو ليس نشاطا احتفاليا تقليديا نقوم به كل عام، وإنما هو صرخة تنطلق من قلوب يملؤها الإيمان وتحدوها العزيمة، بأن القدس لن تكون هدية يقدمها جبار غاشم لمجرم حاقد يحيا على الأساطير وشهوة التدمير والإبادة وسفك الدماء وفجائع الأطفال، ولن تكون إلا عاصمة لدولة فلسطين، مهما بدا ذلك اليوم أمرا غير يسير”.
اضاف: “نور الدين زنكي بدأ بإعداد منبر الأقصى الذي كان لا يزال تحت احتلال الفرنجة، حتى هيأ الله له صلاح الدين الأيوبي ليحرر القدس ويعيد الأقصى ويضع فيه المنبر. نداء القدس يحدد ثوابت لا يجوز للأمة التخلي عنها على الرغم من كل الظروف الراهنة. ففلسطين عربية والقدس عربية والأقصى والقيامة أمانة في أعناقنا. مستعيدين ما قاله صلاح الدين لقلب الأسد الذي طلب منه إعطاءه القدس لأنها كانت لفترة طويلة معهم، فأجابه: هذه أرضنا، وإنما أخذتموها بسبب ضعف المسلمين. واليوم نقول لهم إن احتلالكم لفلسطين والقدس إنما هو بسبب ضعف العرب والمسلمين، وهذا الضعف لا يعطي شرعية لاحتلالكم ولن يدوم”.
وتابع: “هذه الثوابت والقناعات على كل فاعليات الأمة وطاقاتها ترسيخها، وليكن ذلك أمام المشاهد الصادمة التي يرسمها أمام أعين العالم سفاح يهوذا في غزة مدعوما كل الدعم من أقوى دول العالم وبأشد الأسلحة فتكا ودمارا وإبادة. على المؤرخين والأدباء والفنانين والحقوقيين والسياسيين وعلماء الدين وغيرهم، كل من موقعه، ترسيخ تلك القناعات لنا وللعالم وللأجيال القادمة، ليكون نداء القدس صرخة حق توقظ الضمائر النائمة وتبعث العزيمة ولتبقى القدس هدفا لا تحيد عنه العيون ولا تغفل عنه القلوب” .
إمام
ثم اطلق مفتي طرابلس نداء القدس وقال فيه: “أيتها النقطة الأقرب بين الأرض والسماء، أيها الحرم المقدس، يا زاوية التاريخ ومرمى الأنظار، يا أعمدة الطهر، يا منبع البركة ودوحة الملائكة، يا ملتقى الأنبياء وصلاة الرسل، يا مهاجر إبراهيم، ودمعة يعقوب، يا شوق موسى، ومهوى هارون، يا فتح يوشع ونصر طالوت، يا خلوة داود وصرح سليمان، يا شهادة زكريا ودم يحيى، يا محراب مريم وآية عيسى، يا أرض المسرى وصخرة المعراج، يا قبلة الصلاة الأولى ومنبر صلاح الدين، يا مقبرة الغزاة وحتف الدجالين، يا بقعة تنفي خبثها وربوة ذات قرار ومعين، أنى لباطل أن يصمد فيك وكيف لمفسد أن يدنس طهرك؟”.
اضاف: “يا قدس: أنحن نناديك أم أنت تنادينا؟ أم نداؤنا صدى لندائك الأزلي الأبدي؟ أنت معلم كل شريف، ومأرز كل نقي، أنت معيار العدل في هذا العالم المتعب المثقل بأوزار الطغيان والقهر والظلم، على ثراك خطت أقدام الصالحين المصلحين عبر الدهور، وفي حناياك كنيسة القيامة التي ترسخ الجذور وتمد الظلال الباسقات في الآفاق ليثبت الأمل ويبعث القيام من جديد، وفي أحضانك المسجد الأقصى الذي هو أقصى، وكأنه طرف العالم ومنتهاه، وكأن ما بينه وما بين أخيه المسجد الحرام، ما بين المبدأ والمنتهى: أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وكأن ما بينهما تقبع بقعة النور المباركة”.
وتابع: “أيتها القدس، ثوابتك في حركة التاريخ الشموخ والحرية، فقدرك أبدا أنك تلك الشعلة التي تجيش إليها الجيوش، ويرنو إليها القادة من أطراف الأرض ليحظوا بقبس منك عسى أن تخلد أسماؤهم أو يرتفع شأنهم أو يقال قد مروا يوما في ربوعك، فالشرف أنت تمنحينه، والعز نافلة عطائك، والعلو بعض نوالك. على أن لك شرطا مشروطا فلا يصيب الشرف والعز والعلو إلا من جانسك في الطهر وحاكاك في النقاء ودنا من فلك جلالك الخاشع. أما المعتدون الآثمون فهم لا يطهرهم ماء ولا يغسل حوبتهم ثلج ولا برد، وليس حظهم منك إلا الازدراء والرفض والزوال”.
وختم: “اليوم في ندائك تقولين، إن المفسدين في الأرض والمهلكين للحرث والنسل، والمجرمين في حق الإنسانية، الأعداء للحياة، والمدمرين لكل ما هو جميل، هؤلاء شذاذ الآفاق من بني صهيون، المزورون للتاريخ والمخادعون للحقائق والمخترعون للأباطيل، هؤلاء لم ينالوا ولن ينالوا منك أيتها القدس ويا فلسطين إلا ما يزيدهم سفولا وتبارا، إن شموخك أعلى من تطاولهم، وإن حريتك أعصى من حرابهم، وإن ترابك ينبو عن أقدامهم، حتى يروا مهلكهم فيك بإذن الله تعالى، على أن شرطك هذا -أيتها القدس- ينسحب أيضا على أولئك الأحرار المجاهدين المشمرين في سبيل حريتك وطهرك، فإن شرطك عليهم أيضا أن يماثلوك في قدسيتك وطهرك في طريق نضالهم، فلا ينصر الله تعالى من توسل لنصرتك الظلم والقتل والفساد والمخدرات والاعتداء. لله درك أيتها القدس، نداؤك الخالد صدى لروحك العلوية”.
