وهم السلام… أم وهم السياسة؟/ بقلم رامي سعد الله فنج

pين يعلن المبعوث الأميركي توم براك أنّ “السلام في الشرق الأوسط وهم”، فهو في الحقيقة يعلن عجز واشنطن أكثر مما يصف حال المنطقة. فمنذ نصف قرن، كلّما فشلت أميركا في فرض تسوية، اعتبرتها مستحيلة. وكلّما اصطدمت بجدار إسرائيل، حمّلت الشعوب مسؤولية “استحالة السلام”.

لكنّ الوهم ليس في فكرة السلام ذاتها، بل في الاعتقاد أنّ الأمن ممكن بلا عدالة، وأنّ إسرائيل تستطيع أن تعيش محاطة بالركام من دون أن يطالها الخراب. ما يجعل السلام بعيداً ليس “الشرق الأوسط العنيد”، بل الفيتو الأميركي الذي استُعمل عدة مرات في أشهر قليلة لحماية إسرائيل من مجرد وقف لإطلاق النار.

في المقابل، يقدّم لبنان خطاباً مختلفاً. رئيس الجمهورية جوزاف عون يذكّر الأمم المتحدة بأنّ بلاده، برغم هشاشتها، ما زالت تصرّ على نموذج العيش المشترك بين المختلفين. هذا النموذج، الذي حورب مراراً وحاولت الحروب والاحتلالات تقويضه، هو البرهان على أنّ التنوّع ليس وصفة للفوضى بل أساساً للاستقرار إذا حكمته دولة وسيادة وقانون. ومن هنا إصراره على تحرير الأرض، وحصر السلاح بيد الدولة، وربط التعايش بالإصلاح الداخلي: تدقيق مالي، إعادة هيكلة مصرفية، مكافحة الفساد.

ويتقاطع مع هذا الموقف ردّ رئيس الحكومة نواف سلام على براك. فالحكومة، بعكس تشكيك المبعوث الأميركي، ترى أنّ حصر السلاح بالدولة هو المدخل الواقعي للاستقرار. المضحك أنّ واشنطن تطلب من بيروت هذا الأمر، ثم يشكّك مبعوثها بجدّية الحكومة حين تقول إنّها ملتزمة به. كأنّ المطلوب أن تبقى الدولة مشكوكاً فيها، لتبقى الحاجة دائمة إلى وصاية خارجية.

الفارق بين الخطابين واضح: براك يشتغل بخطاب الإحباط واليأس، فيما القيادة اللبنانية تشتغل بخطاب الفعل والإصلاح. الأول يرى السلام وهماً، والثاني يراه ضرورة. والأهم أنّ لبنان لا يقدّم نفسه فقط كنموذج تعايش، بل كمختبر سياسي: إذا استطاع هذا البلد الصغير، وسط كلّ تناقضاته، أن يصمد في وجه الفوضى، فهذا يعني أنّ السلم الأهلي ليس وهماً بل احتمالاً ممكناً.

التاريخ أيضاً يردّ على براك. اتفاق الطائف (1989) أنهى حرباً أهلية دامية، واتفاق أوسلو (1993) فتح نافذة أمل – مهما أُغلقت لاحقاً – بأنّ التفاوض ممكن. هذه اللحظات لم تكن أوهاماً، بل وقائع سياسية تؤكد أنّ المشكلة ليست في فكرة السلام بل في من يجهضها.

الوهم الحقيقي ليس في السعي إلى السلام، بل في الاعتقاد الأميركي أنّ المنطقة ستبقى أسيرة رواية واحدة إلى الأبد. الفلسطيني لم يُمحَ، واللبناني لم يُخنق، والسوري لم يُستنزف بلا ثمن سياسي. حين يصرّ هؤلاء على الحياة، يصبح خطاب “اللاسلام” الأميركي هو الوهم وسط واقع آخر يتشكّل.

السلام ليس وهماً، بل حقيقة مؤجّلة. والوهم الأكبر هو الظن أنّ تأجيلها يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية.

Exit mobile version