في مواجهة المخطَّطات الإيرانية وتهديدات حزب الله

بقلم// العميد نزار عبد القادر

إنتهت زيارة المبعوث الاميركي توم براك ومعه المبعوثة السابقة مورغان أورتاغوس إلى بيروت، ليترك بعدها ويتوجه إلى اسرائيل لمقابلة عدد من المسؤولين، استكمالاً لجهوده في مساعدة اسرائيل ولبنان على تطبيق اتفاقية 27 تشرين الثاني وتنفيذ بالتالي القر ار 1701.
تركت زيارة براك الرابعة إلى بيروت بعض اجواء الامل والتفاؤل حول إمكانية نجاحه في إقناع القيادة الاسرائيلية بالقيام بخطوة مقابل القرار الجريء والتاريخي الذي اتخذه مجلس الوزراء اللبناني حول مطالبة حزب الله بتسليم سلاحه للدولة اللبنانية، خصوصاً وأن القرار ينص على طلب مجلس الوزراء إلى قيادة الجيش اللبناني لوضع خطة عسكرية لتنفيذ قراره.
من المؤشرات الايجابية والمشجعة لنتائج هذه الزيارة تتمثل بالتهنئة التي وجهها براك للرئيس جوزف عون على قرار مجلس الوزراء بحصرية السلاح بالجيش والقوى الامنية، معتبراً بأن القرار هو بمثابة موقف جدير برجالات الدول، وأبدى براك استعداده بعد هذه الخطوة اللبنانية الهامة متابعة الموضوع مع الدولة الاسرائيلية خلال زيارته لتل أبيب.
كان من الطبيعي ان تتسم الزيارة بقدر واضح من الايجابية بعدما عبّر براك أمام القيادات اللبنانية بأن الكرّة قد أصبحت الآن في الملعب الاسرائيلي، التي باتت عليها إلزامية اتخاذ خطوة ايجابية ميدانياً لملاقاة القرار اللبناني في منتصف الطريق، وتنفيذاً لمبدأ الخطوة مقابل الخطوة.
كان اللافت ان براك عندما تحدث من القصر الجمهوري قد تعمّد توسيع أفق رؤيته، من خلال التذكير بأن الحل سيشمل سوريا، متطرقاً أيضاً إلى الموقف الايراني وإلى كيفية اشتراكها بالحل، ويعطي هذا الامر قدراً بالتفاؤل حول مدى ادراك الجانب الاميركي لتسهيل مهمة الدولة اللبنانية في عملية حصر السلاح وحل المسائل الحدودية العالقة مع الدولة السورية.
نقلت قناة العربية عن مصدر سياسي اسرائيلي رداً ايجابياً عن كلام براك من بيروت بقوله «ان لا نية لاسرائيل الاحتفاظ بالاراضي اللبنانية، واسرائيل ستقوم بدورها عندما يتخذ لبنان خطوات فعلية، والانسحاب من النقاط الخمس سيتم بموجب آلية منسقة مع لجنة وقف النار».
وتتحدث بعض المصادر الاعلامية الاخرى بأن الولايات المتحدة تسعى لتسهيل مهمة لبنان في تنفيذ قرار حصرية السلاح من خلال تأمين الظروف لوقت طويل لاطلاق النار بين لبنان واسرائيل، وبما يؤمن بإسقاط كل الحجج التي تستعملها إيران وحزب الله من أجل الحفاظ على جبهة الممانعة، وبما يعني احتفاظ الحزب بكامل سلاحه وفق ما أطلقه الشيخ نعيم قاسم في خطابه الاخير وبعد انتهاء زيارة علي لاريجاني لبيروت مباشرة.
في رأينا أظهرت زيارة براك الاخيرة لبيروت تطوراً جديداً في الموقف من حزب الله ومن الطائفة الشيعية حيث اعتبر براك بأن نزع السلاح سيصب في مصلحة الشيعة – وليس موجهاً ضدهم، كما ورد في خطاب الشيخ نعيم قاسم، مذكراً بأن الشيعة هم طائفة لبنانية، وبأن كل المنافع للمرحلة المقبلة ستكون في صالح الجنوب، مع كل المصالح الاقتصادية المقبلة.
غادر براك لبنان إلى اسرائيل موضحاً بأنه سيطالب اسرائيل باعتماد مقاربة الخطوة خطوة وبالتالي القيام بخطوة مقابلة لما قام به لبنان، ويملك براك في هذه الزيارة الحجة اللازمة لمواجهة نتنياهو بضرورة إعطاء لبنان الفرصة لتنفيذ قراره لأنه سيصب استراتيجياً في صالح اسرائيل والمشروع الاميركي في المنطقة، وبأن على اسرائيل أن لا تضيّع بوصلة الحل وفق الرؤية الاميركية تنفيذاً لرؤية محدودة وقصيرة النظر، ولا تتعدى في نتائجها زيادة خسائر حزب الله على مستوى المقاتلين أو تدمير بعض المواقع العسكرية المكشوفة.
من المؤكد بأن براك يدرك، ومعه كامل الادارة الاميركية مدى المخاطر والمصاعب التي ستواجهها الدولة اللبنانية في تنفيذ قرار حصرية السلاح، وأن ما جاء في خطاب الشيخ نعيم قاسم الاخير والحديث عن تحويل المواجهة إلى كربلاء جديدة هو أول الغيث، مع إدراك ايضاً بأن ايران ستستمر في دعمها لحزب الله في مواجهته السياسية والشعبية والعسكرية، من هنا تبدو أهمية نجاح براك في مهمته في اسرائيل بإقناع نتنياهو بالتجاوب مع مطالب الرئيس عون حول وقف العلميات الاسرائيلية على لبنان، وتسريع عملية الانسحاب من الجنوب، وخصوصاً من النقاط الخمس.
من أجل تحصين قرار مجلس الوزراء من خلال الخطة العسكرية المطلوب وضعها من قبل الجيش آخر هذا الشهر، فإن على الولايات المتحدة تلبية حاجات الجيش بالسلاح والعتاد والتحويل اللازم، ولا يخفى على الدبلوماسية الاميركية أو على قيادة المنطقة الوسطى مدى أهمية تسريع استعدادات الجيش لتنفيذ الخطة، فالنجاح سيتوقف على مدى اقناع قيادات ايران وحزب الله بأن الجيش يملك الوسائل ولديه القرار للمواجهة إذا دعت الظروف الميدانية لذلك، وسيكون من الممكن وشبه المؤكد الانتصار في أية مواجهة تفرض عليه مستفيداً من الاعداد العسكري اللوجستي، ومن دعم الأكثرية الساحقة من الشعب اللبناني له.
تدرك الادارة الاميركية مدى الاهمية التي تعلنها ايران على الاحتفاظ بورقة حزب الله ولبنان، والتي بالرغم من كل الخسائر الفادحة التي مُنِيَ بها الحزب في حرب اسناد غزة، وذلك انطلاقاً من حدود اسرائيل المشتركة مع لبنان، بالاضافة إلى مدى حساسية وادراك السكان في شمالي اسرائيل لمخاطر المواجهة على حياتهم ومصالحهم، كما تدرك الولايات المتحدة ان احتفاظ الحزب بسلاحه سيؤدي إلى تساقطات أمنية وسياسية داخل سوريا، وبما يؤدي سلباً على إعادة توحيد البلاد، والاستعداد لاطلاق ورشة الاعمار.
في رأينا تستأهل شجاعة الرئيس عون ومجلس الوزراء ان تبذل الولايات المتحدة جهودها المكثفة والمتواصلة لإقناع نتنياهو للقيام بالخطوات الايجابية اللازمة لتنفيذ كامل اتفاق وقف النار، وفتح الباب لإعادة اعمار عشرات القرى اللبنانية المهدمة على طول الخط الازرق. ولا بدّ أيضاً من تسريع علمية إعداد الجيش لتنفيذ عملية حصر السلاح بكل تعقيداتها العسكرية والسياسية، ولا بدّ في نفس الوقت من تضافر الجهود الاميركية والسعودية والفرنسية لعقد مؤتمر لمساعدة لبنان مالياً على تأمين الاموال اللازمة لإعادة الاعمار.
هذا المخطط السياسي والعسكري والمالي وحده سيؤمن للدولة اللبنانية الشجاعة والقدرة على اطلاق عملية استعادة السيادة واسترجاع قرار السلم والحرب بالرغم من كل الخطط «الهدامة» التي يمكن أن تعتمدها ايران، وبالرغم من كل التهديدات والمخاطر التي تطلقها قيادة حزب الله.
في النهاية لا بدّ أن تتضافر جهود جميع الافرقاء من اللاعبين المحليين والاقليميين والدوليين لمساعدة لبنان ومؤازرة دولته وقواته المسلحة للنجاح في معركة استعادة السيادة، وذلك ادراكاً منهم بأن الحزب وسلاحه ليس مشكلة لبنانية فقط بل هي مشكلة اقليمية وورقة رابحة في يد ايران.

جريدة “اللواء”

Exit mobile version