“إستعادة الدولة… ضرورةٌ ومسار”

كتب// العميد منير عقيقي

في خضم ازمات متلاحقة تعصف بلبنان سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، تبرز الحاجة الى استعادة الدولة كأولوية قصوى، بل كشرط اساسي لنجاة الوطن من الانهيار الكامل. “الدولة” ليست شعارا فضفاضا او حلما رومانسيا، بل هي الاطار الوحيد القادر على حماية المواطنين، وتحقيق العدالة، ثم ضمان السيادة والاستقرار وصون الكيان.

في الحالة اللبنانية، وقبل انطلاقة العهد الجديد برئاسة العماد جوزف عون، اصبحت الدولة في موقع المتراجع، والمصالح الفئوية والطائفية تتصدر المشهد، بينما المواطن يدفع الثمن. ذلك ان لبنان كان يعيش في حلقة مفرغة من الازمات بسبب هيمنة النظام الطائفي والفساد والتدخلات الخارجية. اليوم، مع خارطة الطريق التي كرسها خطاب القسم، وجسّدها البيان الوزاري، فان استعادة الدولة تتطلب ارادة سياسية حقيقية، واصلاحات جذرية مع دعم عربي ودولي، فضلا عن ضغط شعبي مستمر لمحاسبة الفاسدين، ومن دون هذه العوامل، سيستمر التدهور في التفاقم.لم تأت ازمة الدولة في لبنان من فراغ. منذ نهاية الحرب الاهلية، لم تطبق بنود اتفاق الطائف بشكل كامل، وبقيت الطائفية السياسية متجذرة في النظام. وقد ادى ذلك الى تحويل الدولة الى حلبة صراع بين الزعامات الطائفية، حيث تستخدم المؤسسات العامة كأدوات لخدمة المصالح الخاصة، لا الصالح العام.

يضاف الى ذلك وجود قنابل موقوتة على غرار قضيتي اللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين، وملفات ضاغطة بدءا من السلاح المتفلت والفوضى التي نتجت من التجنيس. كلها عوامل اضعفت الدولة ومؤسساتها ولا تزال تهدد الوطن، وتحول دون ممارسة السيادة اللبنانية الكاملة. منذ اقرار اتفاق الطائف والشروع في تطبيقه، فان القرار الوطني لم يعد مستقلا، بل اصبح مرتبطا بمحاور اقليمية تتصارع على ارض لبنان. ومع كل ازمة جديدة، من الانهيار المالي الى تفجير المرفأ، يتأكد ان “الدولة شبه مغيبة”، ان لم نقل معطلة بالكامل.

استعادة الدولة ليست امنية، بل هي مشروع نضالي طويل يتطلب توافر ارادة سياسية وشعبية. فلا دولة من دون نظام انتخابي عادل يحرر القرار الشعبي من القيادات الطائفية، ولا دولة من دون استقلالية القضاء وقدرته على محاسبة الفاسدين بلا خوف او تمييز، ولا دولة من دون فصل فعلي بين السلطات وتعزيز اجهزة الرقابة والمحاسبة.
عمليا، الدولة لا تستعاد طالما ان السلاح موزع خارج مؤسساتها. وعليه، فان الجيش اللبناني يجب ان يكون الجهة الوحيدة المخولة حمل السلاح والدفاع عن السيادة. كذلك العلاقات الخارجية التي يجب ان تبنى على اساس مصلحة لبنان فقط، لا على الولاءات لمحاور خارجية.

من ضرورات استعادة الدولة في لبنان هو اعادة بناء الاقتصاد على اسس العدالة، مع شرط محاربة الاقتصاد الريعي والفساد فكلاهما لا يبنيان الدولة، بل وجودهما لا يساهم حتى في بناء الدولة المشروط قيامها بوجود اقتصاد منتج، يعيد الاعتبار الى الزراعة الحديثة والصناعة المتجددة والتجارة الشريفة والقانونية، ويخلق فرص عمل للشباب على قاعدة الاخذ في الاعتبار الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، مما يستوجب اعادة هيكلة القطاع العام كأمر لا مفر منه.

صحيح ان الطريق نحو استعادة الدولة محفوفة بالعقبات: من البنية الطائفية الراسخة، الى سطوة الميليشيات والزعامات، الى شبكة المصالح الدولية والاقليمية. لكن البديل من دولة القانون والمؤسسات هو الفوضى، الفساد، التهجير، والانهيار الكامل.

لبنان في حاجة الى عقد سياسي واجتماعي جديد، ينقل الدولة من موقع الغنيمة الطائفية الى مؤسسة وطنية حاضنة لجميع المواطنين على قدم المساواة. فلا خلاص للبنان من دون دولة، ولا دولة من دون مواطنين احرار ومسؤولين.

استعادة الدولة ليست شعارا نردده عند الازمات، بل هي جوهر المشروع الوطني اللبناني، وكل لحظة تأخير في هذا المسار تعني مزيدا من التدهور والضياع. المطلوب اليوم ان يتحمل كل لبناني مسؤوليته في هذا الاستحقاق المصيري، ويقف الى جانب العهد لأن مستقبل لبنان لن يصنع الا بيد ابنائه، وبقدر ايمانهم بدولة القانون والمؤسسات.

(عن مجلة “الأمن العام”)

Exit mobile version