دولة القانون = دولة الإستقلال/ بقلم اللواء الياس البيسري

يشكل عيد الاستقلال في كل الدول مناسبة وطنية تستذكر فيها الشعوب تاريخ تحررها من الاستعمار او الانتداب او الوصاية الخارجية بعد ان يكون هذا الاستقلال قد تحقق على ايدي رجال عظماء كان لهم شرف صناعة التاريخ.

بعد نيل الاستقلال يكب الشعب الذي ساهم في انجازه على بناء هيكلية الدولة، بدءا من رأس الهرم المتمثل في النظام السياسي، مرورا بالسلطات المختلفة والمؤسسات والادارات، وصولا الى القاعدة. لكن الدول التي نالت الاستقلال لا تشبه بعضها البعض لجهة بناء انظمتها وادارة شؤونها، حيث تراوحت هذه الانظمة من اقصى اليمين الى اقصى اليسار، من الرأسمالية الى الاشتراكية. واثبتت التجارب ان دولا قليلة حافظت على استقلالها وتحولت الى دول متقدمة، فتميزت بتطبيق القوانين وباقتصاد متقدم وبنى تحتية متطورة. اما الغالبية منها، فاستقرت على مستوى الدول النامية تعاني من تدن في مستويات التطور والتحديث.

تبقى “دولة القانون” قاسما مشتركا للدول المتقدمة وطموحا تسعى اليه الدول النامية والمتعثرة لتكون نموذجا لدولة الاستقلال.

يطلق على دولة القانون اسم دولة العقل، كما تُعرّف ايضا على انها الدولة الدستورية التي يتم فيها تقييد السلطات الرسمية لصالح سيادة القانون الذي يحمي الشعب من ممارسات السلطة التعسفية، بحيث يتمتع المواطن بالحرية المدنية في اطارها القانوني، فيتمكن من حماية حقوقه في المحاكم التي يديرها قضاء غير مرتهن الا للقانون والضمير، لصالح العدالة والعدل.
تثبيت دولة القانون واستمراريتها يوجبان تدعيم بنيانها بركائز قوية عصية على الانهيار، لكنها تتشكل بخصائص قابلة للتطوير والتحديث، يمكن الاشارة الى بعضها كالتالي:

– ركيزة “القاعدة الديموقراطية” التي من وظائفها تأمين انتقال مَرِن كل فترة للسلطتين التشريعية والتنفيذية لكي تحصنا الدولة وتبقيانها ناشطة ومستدامة، لا تسقط في دهاليز الديكتاتورية المقنّعة، وتتحول الى دولة مارقة يعيث فيها الفساد على اختلاف انواعه.

– ركيزة “البنيان الاقتصادي” الذي يؤسس لاقتصاد منتج في مجال الصناعات المتطورة والزراعة الحديثة والسياحة على انواعها على غرار السياحة الطبية والدينية والاثرية والموسمية. هذا البنيان يستجلب الاستثمار ويساهم في تعزيز القطاع الخاص ويوسع مساحة الانماء وحجم التوظيف.
– ركيزة الهيكل الهرمي لـ”الادارات والمؤسسات الرسمية” الذي هو مثابة هيكل رئيسي في بنيان الدولة. تفرض المسؤولية ان يستوعب في اقسامه المختلفة موظفين وعاملين اكفياء يتم تعيينهم بناء على رأي الاجهزة المكلفة قانونا في عملية التوظيف وشروطها العامة والخاصة. على هذا الهيكل ان يحافظ على ديناميته في ادارة شؤون الدولة في كل قطاعاتها، في حين ان نجاحه واستمرار ديمومته مرتبطان بتفعيل اجهزة الرقابة وتعزيزها بكل الوسائل البشرية والتقنية واللوجستية التي تسمح لها بمراقبة عمل المؤسسات، وتقييم عملها وانتاجيتها، ومدى التزامها وتقيدها بالقوانين التي ترعى عملها ومهامها استنادا الى الصلاحيات المنوطة بكل مؤسسة.

– ركيزة “القدرات العسكرية والامنية”. تشكل الاطار العام الذي يحفظ حدود الوطن ويصون الاستقرار والسلم. ترصد التهديدات في الداخل ومن الخارج، تكافح الارهاب وكل انواع الجرائم المنظمة، وتجري التحقيقات العدلية والادارية تحت اشراف النيابات العامة. كل ذلك استنادا الى النظام العام لكل مؤسسة او جهاز او مديرية، وبناء على المهام والصلاحيات المنوطة بكل منها.

– ركيزة “منصة الثقافة والتعليم”، هذه المنصة من اهم الاستثمارات في بناء المجتمع وزيادة مشاركة النساء فيه وتحقيق النمو الاقتصادي وتطوير القدرات والمهارات عدا عن تعزيز التفاهم بين الشعوب والسلم المجتمعي والمحافظة على التراث…
– ركيزة “السياسة الخارجية” هي الوجه الخارجي لعلاقة الدولة مع المجتمع الدولي، وما ينجم عنها من نسج علاقات ديبلوماسية وسياسية واقتصادية وعسكرية وغيرها، وكل ما من شأنه تعزيز موقع الدولة الخارجي، وتأمين مصلحتها العليا ومصلحة شعبها المقيم والمغترب، وتثبيت دورها في العالم.

اخيرا، استدامة الدول وتطورها رهن اعتمادها سياسات مرنة في الخطط والبرامج التي تخدم استراتجيتها داخليا وخارجيا من جهة اولى، وارتكاز السلطة المنفذة على قاعدة صلبة وقوية عمادها النظام والقانون من جهة ثانية.
(مجلة الامن العام )

Exit mobile version