طال انتظار الحكومة اللبنانية لاستجابة مفوضية الامم المتحدة لشؤون اللاجئين (unhcr)، للطلب الطبيعي والبديهي للدولة بحصولها على “الداتا” التفصيلية للسوريين المسجلين على قوائمها منذ العام 2011. مع الاشارة الى ان المفوضية كانت قد سلمت لبنان “داتا” غير مكتملة، بحيث لا يمكن استثمارها لإيجاد حلول عملية ومستدامة لملف النزوح السوري الذي طال كثيرا في ظل عدم اكتراث دولي لهذه الازمة المستفحلة التي تضرب عميقا في جسم الكيان اللبناني المتهالك.
في مواجهة هذا “الامتناع – التحدي”، ان لم نقل المماطلة، كان القرار اللبناني إعداد العدة للانتقال الى الخطة “باء”، وهي العمل للحصول على “الداتا” من خلال تنفيذ الخطة من قبل الامن العام، تمهيدا لوضع اسس علمية يرتكز عليها حل هذا الملف الذي، ان لم نستعجل اقفاله ستكون له انعكاسات كارثية على الشعب اللبناني، وعلى السوريين الذين تعرضوا “لحرب الاخرين على ارضهم”، (بالإذن من الراحل غسان تويني)، وسُلخ منها اكثر من ثمانية ملايين شخص تم تشتيتهم في دول الجوار وفي العالم.
لماذا “الداتا”؟
لأنها ستخوّل لبنان تنظيم وجود السوريين على الأراضي اللبنانية لإيجاد الحلول لهم بالتنسيق مع الـ unhcr، استنادا الى القوانين الدولية واللبنانية. ورغم ابلاغ المعنيين الامميين بهذا التوجه، الا ان المماطلة في الاستجابة مستمرة، بل تترافق مع حملات اعلامية لتخويف السوريين الذين هم على عاتق المفوضية من الاستجابة لخطة الحكومة اللبنانية بهدف عرقلتها. مع العلم ان ما تقوم به حكومتنا بواسطة الامن العام يصب في خانة تنفيذ القوانين التي لطالما كانت مطلبا رئيسيا في الداخل والخارج.
ان المديرية العامة للأمن العام عرضت خطتها على مجلس الوزراء، فاتخذ القرار بالموافقة عليها، وقد بوشرت بالفعل التحضيرات اللوجستية والترتيبات الادارية اللازمة حتى تكون مكتملة وجاهزة في الوقت المناسب في ضوء الجواب النهائي المنتظر من المفوضية.
أما محاولات الإيحاء “غير البريئة” بأن اجراءات الأمن العام تهدف إلى الترحيل القسري لتخويف السوريين من الخطة، فهي محاولات مسيئة اولا لمطلقيها لأن عدم وضع حلول لهذا الملف يعني ان المشرف عليه غير مكترث بهؤلاء السوريين، وثانيا للسوريين انفسهم الذين يعيشون الضياع ومن مصلحتهم التمسك بأي حل يضمن معالجة واقعهم المزري وتسوية وضعهم.
ان الغاية من هذه الخطة لها بُعدان:
الاول: التأكيد على سيادة الدولة اللبنانية واحقيتها في معرفة من يقيم على اراضيها.
الثاني: تنظيم الوضع القانوني للمسجلين السوريين على قوائم المفوضية للتمكن من التمييز: بين السوري الذي يحتاج فعلا الى حماية امنية – سياسية – دولية تفرضها القوانين ذات الصلة؛ بحيث يتم التنسيق في هذا الشأن مع المفوضية لتأمين اعادة توطين هؤلاء في بلد ثالث استنادا الى مذكرة التفاهم الموقعة بينها وبين لبنان عام 2003؛ وبين من يمكن قوننة اقامتهم في لبنان بصفة عامل، او من يمكنه العودة الى دياره بشكل آمن وغير قسري.
الواجب يفرض، بعد ثلاثة عشر عاما من وجود السوريين في لبنان، أن تعرف الدولة اللبنانية مَن هم المسجَّلون على لوائح unhcr، وايجاد حلّ لهم، وهذا اجراء يصب في مصلحة المفوضية والسوريين ولبنان.
قال ممثل المفوضية في لبنان إيفو فرايسن، “بأن هناك نحو 100 ألف سوري نزحوا إلى لبنان وتم توطينهم في بلد ثالث منذ العام 2011 حتى العام 2023”. هذا يعني ان المعدل السنوي لعملية اعادة التوطين في بلد ثالث لا تتعدى تسعة الاف شخص نسبة إلى عدد السوريين المسجلين لدى المفوضية، اي مليون و482 الفا. بناء عليه، يحتاج لبنان الى اكثر من مئة عام إذا كان جميع السوريين المسجلين على لوائح unhcr سيتم اعادة توطين في بلد ثالث، وهذا التوجه يشكل خطرا استراتيجيا على بلدنا.
إن المماطلة بتسليم “الداتا” التفصيلية الى الدولة اللبنانية، يقابلها اصرار على الحق السيادي اللبناني بانشاء “داتا” خاصة. واي اهمال او تغاضٍ في هذا الشأن سيعرّض الوطن لخطر وجودي.
عن مجلة الامن العام
