المرتضى في حضرة البطريرك الراعي: نقول لمن يحاولون ضربَ قيمِنا بمِطْرقةِ الحرية أن الشعب اللبناني يرفضُ هذه الأفكارٌ الهدامة التي لا تأتلف مع تاريخه وثوابت معتقداته.

ألقى وزير الثقافة القاضي محمد وسام المرتضى مداخلة في حضور الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي خلال افتتاح الاديرة التي تم ترميمها في اوقاف حدشيت حيث قال:”
نحن هنا على شفا الوادي المقدس، في حضرة التاريخ المتأصل في وجداننا حضورًا متماديًا. لذلك سأسمحُ لنفسي يا صاحب الغبطة بأن أقول شيئًا في التاريخ، أخلصُ منه إلى واقعنا اليوم، من غير أن يكونَ في خلَدي نيةُ الإساءةِ إلى أحدٍ من أصدقائنا في هذا العالم.
يحكي التاريخُ أن أوروبا القرونِ الوسطى كانت تَغْلي شعوبًا وأوطانًا في طلب الحرية، حتى بلغتها بعد الثورة الفرنسية ذات الشعارِ الشهير: حرية/ مساواة/ أخُوّة. وفي الوقت الذي كانت الأمم الأوروبية تتسابق إلى منح مواطنيها حقَّ التمتع بمختلِفِ أنواع الحريّات، كانت أساطيلُها تغزو البحارَ والمحيطات، وجنودُها يحتلون البلدان والقارات، في أميركا وأفريقيا وسفوحِ آسيا عند نهايات الشرق، ويستعبدون شعوبَها ويستلبون خيراتِهم في سبيل رفاه الأوروبيين.
في ذلك الزمان نفسِه، بل قبله بقرون، كتب شعبٌ من المؤمنين على شِعابِ هذا الوادي سِفْرًا آخر من أسفار الحرية؛ مضمونُه الالتصاقُ بالأرض حتى آخر رمقٍ يُراقُ على صخورِها، لا غزوُ أراضي الآخرين. ومن معانيه أيضًا الغوصُ في أعماق الإيمان ومنعرجات الروح تساميًا إلى مِلْءِ الفضائل، بالحياة النسكية والرهبانية والاجتماعية المستقيمة، لا الغوصُ في لجج البحار ومناجم الخيرات الأرضية لاحتكارها وتكديس الثروات الشخصية والامبراطورية. وكان لهذه الجماعة أن تكبر وتكبر، وتنضمَّ إليها جماعاتٌ سواها قادمةٌ إلى هذه الأرض، من حيث اضطُهِدت، طالبةً هي أيضًا للحرية، حتى ائتلفَ البحرُ مع الجبل والسهل، ونشأ هذا الوطن اللبنانيُّ الكبير برغم ضيق مساحته، فضاءً من لقاءٍ على قيم الحرية والخير والحقِّ والجمال.
الحريةُ إذًا، ليست بضاعةً نستوردُها من الخارج، أو تدخلُ نظامَنا المعرفيَّ بالتهريب، من دون المرور في المعابر الشرعية ودفع ضريبةٍ جمركية تُشَرْعنُ استعمالَها وعيشَها في أكناف الوطن. الحريةُ بالأصل حقيقةُ عيشِنا كلبنانيين وكنه وجودِنا ومغزى بقائنا. لكنَّ علينا التنبُّهَ إلى أنها (والكلام هنا لأحد علماء الاجتماع) “تختلف صورتُها لدى قومٍ، عنها في أيِّ قومٍ آخر، رغم تشابهِ مناظرِها أحيانًا. وذلك تبعًا لحاجة الناسِ إليها في إدارة شؤونِهم الداخلية والخارجية، ولما درجوا عليه من تقاليدَ وعاداتٍ لا يمكنُ الإغضاءُ عنها، وللظروفِ التي يمارسون فيها نظامَ الحرية، ولمواقعهم المادية من جغرافية واقتصادية، ولأسبابٍ شتى منها الثابتُ ومنها المتحوِّلُ والطارئ” انتهى الاقتباس.
صاحب الغبطة
ليست رغبتي في أن أقدم محاضرة عن معنى الحرية. لكنني أردت أن أستفيد من هذه المناسبة بمدلولاتِها كافةً، لأقول لمن يحاولون ضربَ قيمِنا بمِطْرقةِ الحرية: إن الشعب اللبناني بأغلبيته الساحقة، وبإجماع قياداتِه الروحية يرفضُ أن تتسرَّبَ إلى مجتمعه أفكارٌ هدامة لا تأتلف مع تاريخه وثوابت معتقداته. والحالات المرَضية التي خلفَها يتلطَّونَ لإلغاء ما يجرّم الشذوذ، جديرةٌ حتمًا بالاحتضان، كأي جرمٍ آخر أو خطيئة أخرى. والقضاءُ اللبنانيُّ يتعاملُ مع هذه الحالات حين تُعْرَضُ عليه بما يتلاءَمُ مع الظروف الخاصة بها، من ضمن القوانين النافذة والمعاهدات المرعية الإجراء. أما ما يسعى إليه أولئك الساعون، فلن يوصل قطعًا إلى المعالجة، بل إلى فرض هذه الحالات كأمرٍ واقع على أبناء المجتمع كافةً. وهذا حتمًا لن يصير، لأننا حريصون على سلامة مجتمعِنا وعلى رسوخ مفهوم العائلة كثروةٍ اجتماعية مقدسة لا بديل عنها.
أما عن مناسبة ترميم بعض الأديرة في وادي قنوبين، فالحقيقة التي ينبغي لي أن أشهد لها بلا تردد، أنَّ السفارة الإيطالية في بيروت كانت ولا تزال تعمل بدأَبٍ على نشر قيم التلاقي، من خلال اهتمامها بالموروث الثقافي اللبناني، من غير تفريقٍ بين المنتمي إلى الحقبة الرومانية التي تركت في جميع أرجاء امبراطوريتها الواسعة آثارًا راسخةً إلى اليوم كقلعة بعلبك، وذاك الذي يشكل ثروةً معرفية للإنسانية جمعاء، كوادي قاديشا والمتحفِ الوطني، وغيرهما من المواقع الأثرية في مدنٍ وبلدات لبنانية عديدة. وهذا العمل الجاري تحت إشراف سعادة السفيرة الصديقة نيكوليتا بومباردييري، ومتابعتِها الحثيثة، يؤكّد متانة عِلاقات الصداقة بين إيطاليا ولبنان، ورسوخ مفاهيم التعاون والتنمية في توجّهات الدولة الإيطالية والشعب الإيطالي، كنموذجٍ ينبغي أن يسود بين الدول، بدلًا من سياسة الفرضِ والاحتلال والحصار والعقوبات.
يبقى أن أقول يا صاحب الغبطة: بخورُ الصلوات وأنفاسُ المصلين حين تجتمعُ بين صخور هذا الوادي، تتَّخذُ شكل الضباب الذي يرتفعُ رويدًا رويدًا ويمضي ليسقي شجر الأرز،من أجل أن يبقى أخضرَ مقاومًا لكلِّ أنواعِ الفتن ومحاولات الافساد والتهديدات والضلالات.
اللهم اسبغ على هذا الوادي مزيداً من القدسية والبركات وخلّص وطننا والهمنا والهمنا كلبنانيين ان نعمل ما تحبه وتحبه وترضاه…. اللهم آمين.
عشتم وعاش لبنان.

Exit mobile version