مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية- شهادات مؤثرة من الهيئات الثقافية في ذكرى رحيل العلامة والأستاذ الجامعي الدكتور أحمد الحمصي

أحيت الهيئات والمؤسسات الثقافية في طرابلس والشمال ذكرى الأربعين على وفاة العلاّمة والشاعر والأستاذ الجامعي الدكتور المرحوم أحمد سليم الحمصي، في لقاء أقامته في مركز الصفدي الثقافي بطرابلس بحضور النائب الدكتور طه ناجي، النائب اللواء أشرف ريفي ممثلا بالأستاذ كمال زيادة، الوزير السابق النقيب رشيد درباس، قائمقام بشري الأستاذة ربى الشفشق سنجقدار، رئيس مجلس إدارة مستشفى طرابلس الحكومي الدكتور فواز حلاب، رئيس اللجنة الوطنية اللبنانية لليونيسكو الدكتور شوقي ساسين، وعائلة الفقيد الراحل وممثلين عن زملائه وطلابه وحشد من الشعراء والأدباء.
في الإفتتاح النشيد الوطني اللبناني والوقوف دقيقة صمت وقراءة الفاتحة عن روح الفقيد الراحل.
توما
ثم كلمة من الدكتور جان توما الذي قدّم المتحدثين فقال: حارس اللغة والعامل بعظمة على بيدر مواسمها، فلا ثمارها تقل ولا هو عن دروب موسم قطافها يضل، وسلّة غلاله ينام فيها الضوء والظل. حافظ القرآن، العابر الكلمة إلى فقهها، المحدّث بما ورد، الأمين على أهل النقل والتواتر، نلقاه اليوم ليس يوما بعد يوم، ولا شهرا بعد شهر، ولا سنة بعد سنة، بل حرفا بعد حرف وكلمة بعد كلمة، وفي هذه الأمسية شهادات في أبجدية أحمد الحمصي لمن عرفوه وكانوا له تلاميذ.
ساسين
ثم توالى المتحدثون على الكلام فقال الدكتور شوقي ساسين: منذ ربع قرن حين قدّمني معالي الصديق النقيب رشيد درباس إلى “منتدى طرابلس الشعري”، كان طلب إنتسابي قصيدة على رويّ الحاء، فلما إنتهيت من إلقائها كان صوت الدكتور أحمد الحمصي أول الموقّعين على قرار قبولي فقال “أنت منذ الآن واحد منّا” وكانت أولى هداياه إلينا يومذاك “ديوانه ظلال البحر” واليوم أقدّم إليه قصيدة على البحر والرويّ نفسيهما، بطاقة إقامة دائمة في مودته ورضاه، ولو من وراء حُجب.
درباس
وإستذكر الوزير السابق رشيد درباس صديقه الراحل في كلمة قال فيها: عندما يغيب الأحباء نعالج الحزن عليهم بذكر محاسنهم ولطائفهم، وداعا خادم لغة القرآن وأحرّ مشاعري لعائلتك ومحبيك وتلامذتك.
ثم ألقى قصيدة من وحي المناسبة نظم أبياتها بُعيد ظهور صورته على شاشة الهاتف، إشعاراً بأفول الوجه النوراني بعد أن سبقه في الرحيل كوكبة من شعراء وأدباء “منتدى طرابلس الشعري” وهم الدكتور محمد قاسم، محمد خضر كوسا، النقيب عبد الفتاح عكاري، مصطفى قاسم.
شنينة
وألقى الأديب والشاعر عبد الكريم شنينة قصيدة بعنوان: هذا مدادك” قال فيها: هذا مدادك والبيان الرونق تزجيهما الضاد التي تتعشق | فتملّ من خلف الغيوب قصيدة | وجع الحنين بحبرها مغرورق| يا خادم الفصحى التي يهفو لها| في كل ليل منك حلم ريّق| يا من جلوت العتم عن أسرارها فإنجاب منها الغامض المستغلق| الآن بعدك كل وهج حروفها | دمع على خد النوى يترقرق.
حداد
وألقى كلمة العائلة أكبر الأحفاد سناً هادي أسامة حداد فقال: لم يكن يخطر لي أن أقف هذا الموقف، أن يأتي يوم أكتب فيه كلمة وداع وفراق فيمن ربّاني وعلّمني وأرشدني وهذّبني وشملني بعطفه وحبّه وعطائه ورعايته، لم يكن يخطر لي أنني سأذوق طعم الغربة بعد رحيله، فأنا لم أشبع منه ولم أرتو من حبه.. ولا زلت أشتاق إلى دفء حضنه وحنان قلبه. لقد أخترت أن أسميّ كلمتي هذه (كلمة وفاء) لا مجرّد (رثاء) إنه وفاء لذكرك يا جدي الذي سيبقى حيّا فينا ولو رحلت عن عالمنا.
يكن
ثم ألقت الطالبة الجامعية فرح صفوح يكن كلمة بإسم تلامذة الفقيد فقالت: بالأمس كنت أعتني بما سأقوله في حضور شيخي واستاذي، إجلالاً لمقامه ورغبة في أن أكون عند حسن ظنه، ولكني اليوم، وقد فرغ المكان أجدني أشدّ رهبة وأكثر بذلا للعناية فللغائب حقٌ لا مسامحة فيه.. ولعلّي لا أبالغ حين أقول: ان نكبة التلميذ في أستاذه تكاد تقارب في وطأتها نكبة الإبن بالوالد.. ذاك نُكب في قلبه وهذا نُكب في عِلمه وفهمه.
ضناوي
وألقى الدكتور سعدي ضناوي كلمة أصدقاء الفقيد فقال: يا أخي أحمد أنت لم تغب عنّا ولن تغيب، فأنت المربي، أنت القدوة، إذا كانت فئة من المربين لها الإسم وليس لها الفعل، تخلفها الأجيال وراءها مغمورة نكرة، فإن المربي الحق يطبع جيلا بل أجيالا بطابعه، يرسم على قلوب الناشئة، وفي ذهنهم وخيالهم صورته، لا يذكرون لحظة سرور هنا أو إنشراح هناك فقط، وإنما يجردون منها نموذجا للكمال البشري ليتدخّل في صياغة آمالهم وحفر طموحاتهم، مكونا مثلهم الأعلى، هذه الفئة لا يغيبها زمن.
يوسف
وألقى الشاعر أحمد يوسف الرئيس السابق للمنتدى الثقافي في الضنية قصيدة قال فيها: وأنت في خانة الفيحاء مكتبة | ترقى بكل بيان سحره خضل| فكم تركت بها ما ليس تدركه| العقول يوما وما في سعيهم بذلوا؟| تشدو المجالس إن مازجتها وترا| ويستقيم كلام قوسه جدل| وأنت في المنتدى بوح المساء هفا| بكل ما اوّلَ الأصحاب أو سألوا| في كل إثنين وعد للقاء صفت |مجالس الشعر فيه فاللقا رفل| تبكي المكاتب إن فارقتها أسفا| فكيف واليوم أمست رجّها الثقل| تزلزل العِلم وإهتزّت منائره| غداة فقد فما أعلاك يا رجل.
درويش
وألقى الشيخ الدكتور ماجد الدرويش كلمة زملاء الفقيد فقال: أفتخر أيما إفتخار بأني أحد تلامذته الذين درسوا على يديه اللغة وبلاغتها ونحوها وصرفها وهو رحمه الله تعالى، وإن كان يستروح إلى عبارة (تلميذ الأمس زميل اليوم) لكنه يبقى الأستاذ استاذا والتلميذ تلميذا، ولولا الأساتيذ ما نجب التلاميذ. ولا أدّعي بأنني من نجباء تلامذته ولكن استاذنا تخرجت على يديه مجموعة من مدرّسي العربية اليوم في الجامعات.
شلق
وألقى الشاعر سعد الدين شلق قصيدة قال فيها: مرقم كالسيف بل أمضى وأروع| ومداد برؤى الإبداع يلمع| علم للضاد لا يرقى له\ وخطيب إن يعز القول مصقع| يا طبيب الحرف، ياجراحه| بلسم يمناك يشفيه ومبضع | كان مولانا ومولى شعرنا| يرفع الخلف إليه حين يرفع| نعرض الشعر عليه خشّعا| ولوجه الشعر منّا كان أخشع| فإذا ما إختل ميزان به| رفع العين إلينا وتطلع| نظرة تكفي لكي تعصمنا| فبها نرضى وللدكتور نصدّع.
زريق
وألقى الدكتور سابا قيصر زريق كلمة “مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية فقال:
كم أصابَ مصمِّمُ بطاقةِ الدعوة إلى هذا الحفل في استشهادِهِ بما وردَ في كتابٍ لفقيدِنا من قولٍ لأبي منصور الثعالبي، فقيهِ اللغة العربية وكاشفِ أسرارها. وبدوري أستعينُ بقولٍ آخر للثعالبي، ألا وهو “من أحبَّ العربيةَ عُنِيَ بها وثابرَ عليها وصرَفَ هِمَّتَهُ إليها”. إن في هذا القولِ استشرافًا لوجودِ أمثالِ فقيدِنا من المُوالين للغةِ الضّادِ العظيمة، بإيمانٍ وثباتٍ ونبوغ. فإذا كان الثعالبي يرى أن من يُحِبُّ العربيةَ يعتني بها، فإن فقيدَنا عشِقَ لغتَهُ وهامَ بها، وأفنى حياتَهُ المديدة في الاعتناءِ بها. وهو لم يكتفِ بالمثابرةِ عليها، بل فكَّ أحاجيها وطوَّر مفاهيمَها.
وعندما كنتُ مكِبًّا منذ سنوات على إعدادِ وتحقيقِ الآثارِ الكاملة لشاعر الفيحاء، وجدتُ نفسي بحاجة إلى من يراجِعُها، فلجأتُ الى معالي الصديق النقيب رشيد درباس الذي أرشَدَني الى فقيدِنا، رحماتُ الله عليه. وما زالَ صدى كلماتِ معاليه يَطِنُّ في أذنَيّ وهو يقولُ إن الدكتور الحمصي هو، وبلا منازِع، سيّدُ اللغويين. وهكذا كان لقاؤنا في ذاك السبت الواقع فيه الثاني من شهر شباط عام 2008، حين تعارَفْنا وتوكّلنا على ربِّ العالمين. فخرجَتِ الآثارُ على يدِهِ سليمةً من الشوائبِ التي لولاه لما أتَتِ المجموعةُ بالحلّةِ الجميلة التي أتَتْ عليها.
تركَ د. الحمصي للمكتبةِ العربيةِ مؤلَّفاتٍ ومراجعَ في النحو وشرحِ اللغة وتحقيقِ الكتب وتصحيحِ الأخطاءِ الشائعة، توازي جودتُها تلك التي كانت تصدُرُ في عُصورٍ غابرة، حين تألَّقَ عمالقةُ اللغة العربية في إرساء دعائمِها.

ورغبةً مني بإقرانِ اسمِه المدوّي في عالمِ الأدب واللغة باسمِ مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية، التمستُ منه الإذنَ بأن تضعَ المؤسسةُ بين أيادي محبّيه ومُريديه كتبًا أربعة: “فاكهة الكلام” (2017) و”المصطلحات العروضية” (2019) مسلِّطًا الأضواء على مصطلحاتٍ التبسَتْ على مؤلِّفين سابقين وكتاب “حروف المعاني” (2022) الذي جمعَ فيه معاني الحروف من مصادرَ مختلفة، منجِزًا هذه السلسلة بكتابِهِ “لطائف لغوية” الذي ضمَّ مجموعةَ أقوالٍ مأثورة ومعلوماتٍ شعرية.
وختم: لم يكن د. الحمصي فيلولوجيًا بالمعنى الضيّقِ للكلمة، إذ تعدّت دِرَاساتُه للنصوص القديمة حدود الفيلولوجيا لتغوصَ في عُمُقِ فِقهِ اللغةِ بمصطلحاتِها وظواهرِها.غادَرَنا فقيهُنا، حاملاً ألقابًا عديدة معبرة: “خادمُ اللغة العربية” و”علاّمةُ اللغة والأدب” و”بقيةُ أئمة اللغة” و”فقيدُ العقيدة والأدب” و “حافظُ لغةِ القرآن”. سوف نفتقِدُ الرّصانةَ والوَقار والوِداد الصّادق. إطمئنَّ أيها الراقدُ في جناتِ الخلود فإن العربيةَ بأمانٍ في عِهدةِ من لقّنْتَ أو زاملْت.
منجّد
والقى رئيس المجلس الثقافي للبنان الشمالي الاستاذ صفوح منجد كلمة قال فيها: إثنان أدين لهما بتمكني من الكتابة وصناعتها، العلاّمة الصديق المرحوم أحمد الحمصي وسماحة الشيخ الشهيد صبحي الصالح خلال دراستي في الجامعة اللبنانية في بيروت، تغمدهما الله تعالى بواسع رحمته وجعل مثواهما الجنة وتعازينا الحارة نتوجه بها إلى أخينا النائب الدكتور طه ناجي وعموم العائلة بإسمي وإسم عقيلتي وكافة الهيئات الثقافية والأدبية.
ناجي
وإختتم اللقاء بكلمة من النائب الدكتور طه ناجي فقال: قدر محتوم وأجل معلوم ورب كريم رؤوف رحيم.. هكذا كنا يوم فارقناك يا دكتور احمد وإن كنت أحب أن أناديك بقرابتي منك، ولكن القربى منك أوسع من أرحامك واشمل من بني أبيك، قرباك محبو العربية.. وخدّام كلمتها.. ورتبتك في عيون العارفين أكبر من أن نحدّك بنسب أو قرابة، ايها الغيور على عرائس الكلمات، الحارس على أعراضهنّ، والمنافح عن شرف أصالتهنّ، كم أودعنا في ثراك عِلما بقي يختلج في صدرك كينبوع حبسه عن التدفق أجل.. وبركانا منعه من التفجّر إنقضاء النفس الأخير.. وأنت حين كنت تكتب.. كانت حروفك مرة كزهرات على حافة جدول.. ومرة كحجارة مقلع تنطق بالأصالة والعتاقة والإنتماء.. ومرة كانت الحروف وكأنها تضرم بحرارة المواقف ولهيب العواطف.
اضاف: هي الدنيا يا خال: ولها عاداتها ومراراتها.. وعلينا مقاساة الصبر ومعاناة آلام الفقد أيها الحبيب. وللدنيا مني لها كلمة.. أيتها الدنيا القاسية أنت لا ترحمين.. ولا تعرفين جميلا ولا تحفظين الجميل..
وتساءل: فمن سيرثي الراثي؟ من سيصنع التابوت للنجار ليُحمل على العواتق؟ من سيزرع جسد الفلاح في خصب التراب؟ من سيعلّم في التأبين إمثولة المعلم عن حياة المعلم؟

وختم: غرباء: غرباء.. يحيون ويموتون.. وأنتِ تمرين كخيالات ليلية لا تأبهين.. لا تتوقفين.. لا تسألين ولا تبالين.. تطوين الذهب والرماد في ثوب واحد وتدوسين على الجواهر والأوساخ بحذاء واحد.. أفٍّ لك.. واُفٍ اُفٍ لطول آمالنا فيك.. يا مقبرة الآمال وخائنة الرجال. رحمك الله يا خال.

مقالات ذات صلة