الحدود البرّية

بقلم// زياد شبيب

في أوساط مثقفي اليسار القديم الذين نشأوا على قضية فلسطين، وخاضوا الصراع الوجودي مع العدوّ، وشاركوا في العمل المقاوم ضد الاحتلال الاسرائيلي العام 1982 وتأسيس جبهة المقاومة الوطنية ال#لبنانية، يكثر الحديث عن مآل هذا الصراع والخيبات المتكررة بنتيجة مسارات التطبيع والصلح وسائر مسمياتها ومشتقاتها ولا سيما نسختها اللبنانية الأخيرة التي بموجبها تم التنازل لدولة الاحتلال عن أجزاء كبيرة من ثروات لبنان الكامنة في مياهه على الحدود مع فلسطين المحتلّة. ويردّد كثُرٌ في هذه الأوساط ما سبق الحديث عنه في هذه الزاوية من أن التفاوض كان يجب أن يحصل مع أصحاب الأرض أي مع دولة فلسطين ومن يمثلها، في ظل عدم اعتراف لبنان بدولة الاحتلال، وبأن التفاوض مع هذه الأخيرة والتوقيع على اتفاقية الترسيم معها، وإن بورقتين منفصلتين، لم يكن إلا اعترافًا بوجودها مقرونًا بالتنازل عن تلك الحقوق.

عودة “الوسيط” اموس #هوكشتاين إلى لبنان وإثارتُه موضوع #الحدود البريّة مع المسؤولين جدّدت المخاوف لدى كثير من اللبنانيين من تكرار سيناريو التنازل عن مزيد من الحقوق وتأكيد الاعتراف بدولة الاحتلال، لا سيما أن ذلك الوسيط الإسرائيلي الإنتماء، تمكّن من تسجيل “إنجازات” لصالح إسرائيل على حساب لبنان، كان أوّلها فرض القبول به وسيطًا رغم خلفيته وماضيه وتعارض ذلك مع القوانين اللبنانية التي تمنع وتجرّم التعامل مع من ينتمي إلى جنسية العدو ومن باب أولى من خدم في جيشه.

لا يُفترض بالحدود البرية أن تثير أية التباسات جدية أو أن تحتاج إلى تفاوض غير مباشر لأجل ترسيمها لأنها مرسّمة أصلًا منذ عهد الانتداب والمواقع الخلافية تقتصر على الفوارق القائمة على الأرض بين خط الحدود الدولية وبين الخط الأزرق الذي جرى الانسحاب إليه في العام 2000 تنفيذًا للقرار 425، والحديث بالتالي ينبغي أن يقتصر على تثبيت الخط الحدودي وليس ترسيمه. المخاوف لا تتعلق بهذا الشق الذي بدا موقف لبنان بخصوصه واضحًا وسليمًا، بل بموضوع مزارع شبعا الذي غابت الإشارة إليه في الموقف اللبناني المعلن من لقاءات المسؤولين مع هوكشتاين.

مزارع شبعا أرض لبنانية وهذا ثابت بالعديد من الوثائق والمحاضر الموقعة بين لبنان وسوريا وقد نُشر الكثير منها في الماضي، وأهمها الاتفاق الموقع في العام 1967 من اللجنة المشتركة التي ترأسها آنذاك عن الجانب السوري عبد الحليم خدام الذي كان محافظ دمشق وعن الجانب اللبناني العقيد أنطوان الدحداح والتي أكدت بأن الحدود الإدارية للقرى الواقعة على الحدود الثلاثية (بين لبنان وفلسطين وسوريا) هي الحدود الدولية للأراضي اللبنانية الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي. وبالتالي إن واقعة احتلال إسرائيل لتلك المزارع في العام 1967 وعدم شمولها بالقرار 425 لا أثر له على لبنانيتها، ولا أثر للإهمال الذي عرفته تلك المنطقة في الماضي أو الحاضر من الجانب اللبناني، لأن تلك الحقيقة القانونية لا يمكن التفاوض عليها أو التنازل عنها تحت طائلة ارتكاب الخيانة العظمى المتمثلة بالتنازل عن جزء من أرض الوطن، أكان التنازل لصالح إسرائيل أم سوريا.

هوكشتاين أثار موضوع الخيمتين المنصوبتين على تخوم المزارع والجواب اللبناني على أي بحث يتعلق بتلك المنطقة ينبغي أن يقتصر على المطالبة بالانسحاب الكامل منها من دون أي شرط. هي أراضٍ لبنانية محتلة والسعي لتحريرها بكل الوسائل، بالموقف الصارم أو بالعمل العسكري المقاوم لا يمكن التشكيك في شرعيته أو جدواه. أما تغييبها عن الأولويات وابتكار أولويات أخرى كحماية الثروات البحرية بعد التنازل عن غالبيتها فسيبقى موضع استغراب وخيبة.

عن صحيفة “النهار”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *