الاضطرابات الداخلية والسعار الأميركي/ غالب قنديل

تجمعت جملة من التناقضات والانشقاقات الهيكلية في الداخل الأميركي ونتج عنها مشهد الاضطرابات والأحداث العنيفة التي عصفت بثلاثين ولاية أميركية وبعشرات المدن والبلدات وقد تجمعت عناصر التوتر من مصادر متعددة بينها تناقضات المؤسسة الحاكمة وسباق الرئاسة واخفاق السلطات في التعامل مع جائحة كورونا إضافة إلى الركود الاقتصادي والمالي وتفشي البطالة واشتداد وطأة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وانعكاساتها والمأزق العنصري المتأصل والكامن.

اولا من المبكر الانتقال إلى الاستنتاجات والتوقعات امام هذه الحالة التي لايمكن التعامل معها بمنطق العزل بين الداخل والخارج الذي يلجأ إليه اصحاب المنطق التبسيطي كما لا يمكن الانسياق في القراءة الرغبوية الذاهبة إلى حافة التنبؤ المستعجل بانهيار الإمبراطورية الأميركية دفعة واحدة واستنساخ السيناريو السوفيتي في القرن الماضي وتوقع تواري القوة الأميركية عن مسرح الأحداث العالمية وبدون شك فإن تجاهل انعكاسات ما يجري في دولة عظمى هي القطب الأحادي المهيمن عالميا على الصعد السياسية والمالية والعسكرية منذ عقود سيكون ضربا من السذاجة والجهل والطبيعي أن يترتب على مستقبل الصراعات السياسية الأميركية ومخاضها نتائج عديدة ولذلك يتمحور السؤال عن مستقبل السلطة السياسية في الولايات المتحدة وخيارات المؤسسة الحاكمة التي تفوق بتأثيرها برامج الحزبين المتنافسين.

ثانيا يتيح منهج الاحتمالات في دراسة الأزمات وعناصرها المتشابكة والمتحولة مخرجا علميا من مازق التنبؤ الأحادي وهو السبيل الأكثر حكمة وامانا في التعامل مع الاضطرابات الأميركية ونتائجها في المرحلة الحاضرة ومما لاشك فيه إن الأحداث داخل الإمبراطورية ستحمل انعكاسات عميقة على تعاملها مع الوضع الدولي وحروبها المتشعبة في العالم العسكرية أوالاقتصادية سواء المباشرة منها أوبالوكالة وفي هذا المجال وبالنظر إلى التناقضات الأميركية الواضحة يمكن تمييز بعض الاحتمالات نتيجة الأحداث الجارية التي كشفت الفالق العنصري العميق وراكمت المزيد بعدما خلفته كورونا وضاعفت به وطأة الركود الاقتصادي والمالي الخانق.

ثالثا من الاحتمالات المتداولة ما قبل اندلاع الأزمات المتراكبة داخل الولايات المتحدة احتمال ظهور الجنرالات كقوة قابضة على القرار الأميركي وهو احتمال طرحه الباحث والخبير الدكتور منذر سليمان ويجب وضعه في الحساب لعدة اعتبارات بعدما اتجهت المؤسسة الحاكمة في السنوات الأخيرة لانتداب قادة عسكريين بارزين في مواقع القرار بالنظر إلى حجم انتشار الجيش الأميركي في العالم وانعكاس معاركه وحروبه على معادلات الهيمنة السياسية والاقتصادية والمالية الأميركية كما تضاعف من قوة هذا الاحتمال الاضطرابات الداخلية الأخيرة التي رفعت من مستوى اهمية ضبط الأمن وتأمين الحد المطلوب من الاستقرار اللازم لانتشال الاقتصاد من حالة التوقف والعطالة التي رافقت جائحة كورونا.

رابعا هل يبقى اتعكاس الأحداث محصورا بترجيح كفة المرشح الديمقراطي جو بايدن وتراجع حظوظ دونالد ترامب في ولاية جديدة ؟ ام يتجه الرئيس الأميركي إلى تصعيد شرس للصراع الذي اطلقه ضد الصين بوابل اتهامات وافتراءات تتعلق بتفشي الفيروس التاجي ؟ ويكون خياره الهروب من جحيم الداخل حيث يحاصره فشل متعدد الوجوه إلى الفناء الإمبراطوري لخوض حروب تجارية وربما عسكرية جديدة في اكثرمن ساحة عالمية للاشتباك مع مجموعة الدول والقوى المناهضة للهيمنة الأميركية ؟ وما هو التقدير الذي ستخلص إليه المؤسسة الحاكمة وجناحها العسكري على وجه التحديد ؟ فهل تجاري نزعته المغامرة ام تدعم مرشح الحزب الديمقراطي الأجدر بحماية الهيمنة الاستعمارية بالوسائل الناعمة حيث تخفق جلافة اليمين الجمهوري الأبيض الذي يمثله دونالد ترامب بالتحديد؟.

خامسا سيكون من العقيم في منطقتنا السير خلف سراب الرهان على المرشح الديمقراطي وحيله السياسية وينبغي ان يتذكر اهل القرار ان الحرب الوحشية لتدمير سورية كانت حرب باراك اوباما وهيلاري كلينتون الديمقراطيين وان غزوة داعش والقاعدة في الشرق العربي كانت وفق اعترافات كلينتون من صناعة تلك الإدارة الديمقراطية تحت عنوان استراتيجية القيادة من الخلف وان الحزبين الجمهوري والديمقراطي لايختلفان في الموقف من الكيان الصهيوني بل هما يتسابقان لاسترضائه ونيل دعم اللوبي الصهيوني الأميركي لكسب المزيد من الأصوات كما جرت العادة ولضمان استجابة الإمبراطوريات الإعلامية التي تقع تحت تأثير الصهيونية العالمية.

ختاما ينبغي التريث بانتظار تبلور المشهد الأميركي قبل الانسياق خلف ترجيح سيناريوهات ترسمها التمنيات بدلا من الوقائع لكن الأكيد ان الولايات المتحدة بعد هذه الأحداث لن تعود كما كانت قبلها.

مقالات ذات صلة