تأملات في واقع الحياة… فَرقٌ كبيرٌ بين الرجالِ وأشكالٍ من ورق/ عبد القادر فاكهاني

ليس غريبًا جدًا في هذا العصرِ حيث تبدلت المفاهيمُ وحُرّفتِ المعاييرُ أن يشتد التصاقُ الإنسانِ بهذه الآلة المسماة بالهاتف، وأن تُنعت بالذكية مع أنها لا عقلَ لها ولا إرادة… وليس غريبًا أن يبيع المرءُ نفسَه ليشتري هذه الآلة… و عدمُ الاستغرابِ هنا لا يعني القبولَ والرضا وإنما هو اعترافٌ بأن ثمةَ تحولاتٍ كبيرةً طرأت على تفكير الإنسان وسلوكياته في هذا الزمن زمنِ العولمةِ والانصياع والضياع تجعلُه يتخلى عن إنسانيتِه انصياعًا لآلةٍ لا تفقهُ ولا تعقل… تمامًا كما انصاع لأشكالِ رجالٍ جعلوه يتخلى عن كرامتِه وشرفِه من أجل حفنةٍ من الدولارات!!!

ليس غريبًا هذا الالتصاقُ والانصياعُ للهاتف في زمنٍ يشهدُ أشدَّ أنواعِ الإجراءاتِ صعوبةً للوقاية من مرضٍ ما على مرِّ التاريخ… قبل كورونا كان الهاتف بتطبيقاته وبرامجه قد أطبق سيطرتَه على الناس مسجّلًا انتصاراتٍ على ما سواه من آلاتٍ ووسائل… وبعد ذلك سيتربعُ على عرشِ الاستحواذ والسيطرة… ولكن ماذا سنفعلُ نحن بعد أفولِ نجمِ كورونا؟!!

لقد سبق أن كتبتُ كلامًا منذُ سنين في تأثيراتِ الهاتفِ وبرامجِه الجذابة وقلتُ حينَها إنه قد ينزعجُ البعضُ مني وليس غرضي الإزعاج إنما لفتُ الانتباه إلى واقعٍ آخذٍ بالاستفحالِ، والحثُّ على التفكيرِ والتأملِ عسى أن يستيقظ الغافلون… كثيرون أصبحوا أسرى الفيسبوك والواتساب والإنستغرام والتليغرام والتويتر وغيرها… رؤساءُ دولٍ صاروا يصدرون قراراتٍ سياسيةً وعسكريةً بالغةَ الدقةِ والأهميةِ عبر تويتر حتى دونَ الرجوعِ أحيانًا إلى آليات اتخاذ القرار في بلدانهم!!!

ماذا يفعل الناس؟! يتشاتمون ويتقاذفون عبر وسائل التواصل الاجتماعي… يطلقون الأحكامَ المبرمةَ والتهديداتِ بالثبورِ وعظائمِ الأمور… يتهمون بعضَهم البعض ويدمرون بعضهم البعض ويهتكون أسرارَ بعضِهم البعض… لماذا وما السبب وما الدليل!!!… اتصالٌ من رقم مجهول… تسجيلٌ صوتي لا يُعلم أصْلُه مِنْ فَصْلِه… تغريدةٌ بعد منتصف الليل… تعليقٌ في الفيسبوك… صورةٌ في الانستغرام… صورةٌ محرِجة في الواتساب… والحبلُ على الجرار!!!

لقد أسموها وسائلَ التواصلِ الاجتماعي ولكنها أصبحت وسائلَ للتباعدِ والتنافر والتباغض غير الاجتماعي… ألا تلاحظون أنه غاب من حياة الكثيرين المفهومُ الأصليُّ للتواصل الاجتماعي الذي يعني فيما يعنيه صلةَ الأرحام وزيارةَ المرضى ومواساةَ الناس في أحزانهم وتفقدَ أحوال الفقراء والأيتام… كثيرون أصبحت هذه الوسائلُ مرجعَهم وملاذَهم… أصبحت طريقَهم لاغتصابِ الضحكةِ من الوجوه وزرعِ اليأس والخوف… ووسيلتَهم للتسلية بالمهموم و المجروح… وجسرَ عبورِهم نحو مستنقعِ القيلِ والقال!!!

قلتُ فيما مضى إن البعضَ يريدُ أن يوهم الناسَ أنه بطلٌ فيستعرضُ في وسائل التواصل الاجتماعي عضلاتِه الكلاميةَ بطرحِ شعاراتٍ رنانة والدعوةِ إلى المظاهرات والاحتجاجات، ومهاجمة دول وجماعات وأشخاص، ويدعو الى الثورة والعصيان والانقلاب، ويتهم الناسَ بالتقصير والكسل لأنهم لا يتجاوبون مع نداءاته، فيما هو قاعدٌ وراء مكتبه و”جهاز التكييف والتبريد شغّال”، أو مستلقٍ على سريره وحيدًا أو غيرَ وحيد، أو جالسٌ يرتشف قهوة البن وفي فمه “نبريش” النرجيلة!!!

بصراحة وبدون “زعل”… البعضُ غرق في بحر الإنترنت وأضحى ألعوبةً بيد التطبيقات والبرامج… كمن غرق في وحولِ المخدراتِ وهلوساتِها ومصائبِها… البعض هرب من الواقع نحو الوهم… هرب من المواجهة وتسلّلَ إلى جهازٍ خالٍ من الأحاسيس البشرية والمشاعر الإنسانية… ظنَّ أن الكومبيوتر يشفي له غليلَه ويحققُ له الانتصارات… فباشر بنشر “الغسيلِ الوسخ” ومشاكلِه مع طليقتِه، أو صديقِه القديم، أو جيرانِه، أو أشخاصٍ بَلَغَه عنهم كلام ولم يتيقن من صحته… يوزعُ الشتائمَ والسُّبَابَ وأقذَعَ النعوت ويكيلُ الاتهاماتِ يمينًا ويسارًا!!!

والبعضُ يتوهمُ أنه يديرُ شعوبًا وقبائلَ عبر الإنترنت… والبعضُ يجعلُ بعضَ أهلِ الفتنة المشوِّشين في موقع الشهرة برده عليهم فيما يكونُ علاجُهم الإهمال… والبعضُ أصبح يظن نفسَه زعيمًا أو شيخًا أو مرشدًا للأجيال عبر الانترنت!!!… والبعضُ مستعدٌ لإطلاقِ الانتقادات الصارخة في مواضيع سمعها عَرَضًا ولا يعرف حقيقتها ولم يتعب نفسه لمعرفتها كما هي، وتوزيعِ المواقف حول النزاعات الكبرى في الدنيا وهو لا يدري ما يجري في الغرفة المجاورة له، ومن يسرقُه في متجره، ولا يحسنُ تنظيمَ حياته ولا تربيةَ أولاده!!!

في بالي الكثيرُ من الكلام إلا أنها لفتةُ نظرٍ تستحق التفكيرَ والتأمل… الإنترنت لا يصنع رجالًا… الرجالُ والنساءُ وكلُّ البشرِ وكلُّ المخلوقاتِ من صنعِ وخلقِ اللهِ خالقِ كلِّ شىء والقادرِ على كلِّ شىء والعالمِ بكلِّ شىء.

في الإنترنت قد تنتصرُ على “ميسي” في لعبة كرة القدم، وقد تحتلُّ كلَّ إفريقيا في لعبة عسكرية، وقد تخالُ نفسَك على وجه القمر… في الإنترنت تجدُ صورًا لرجالٍ ولأشكالِ رجالٍ من ورق…

أما في الواقعِ فالرجالُ الرجالُ ينتصرون… أما أشباهُ الرجالِ وأشكالُهم من ورقٍ فيتساقطون…

مقالات ذات صلة