على هامش معارك التحرير السورية/ غالب قنديل

تتبخر التهديدات التركية وتستحيل هباءا منثورا امام صلابة واندفاع الجيش العربي السوري في عملية تحرير محافظة إدلب وبعض الأنحاء من أرياف محافظات حلب وحماه واللاذقية ويبدو من سير المعارك ان القيادة السورية خططت لعملية قضم وهضم تدريجية انطلاقا من وعي خصائص الجبهة المعادية المتمثلة بعصابات القاعدة التي تدعمها المخابرات التركية وتوفر لها خطوط الإمداد والتي خبر القادة العسكريون السوريون طريقتها في العمل وراكموا خرائطها التكوينية بما تجمع لديهم من المعلومات وبعدما استثمروا مساحة الزمن التي اقتضاها الصبر الاستراتيجي على مسار محاولات الاحتواء الروسي الإيراني للدور التركي العدواني وما قاد إليه من اتفاقات وتفاهمات.

عملت القيادة السورية طيلة الفترة الماضية على مراعاة الضوابط التي استدعاها التجاوب مع مبادرات الحلفاء وصيغة اتفاق مناطق خفض التصعيد لشل الدعم التركي للعصابات الإرهابية التي كانت فترة الهدنة المتقطعة مجالا لتفاقم نزاعاتها وحروبها الداخلية واستنزفت العديد من قدراتها وشكلت الضربات المدروسة التي نفذها الجيش العربي السوري مع الحليف الروسي ردا على العربدة القاعدية وأداة استنزاف مقابلة وجهدا مخططا ومنهجيا في تدمير واستئصال العديد من التجمعات والمواقع الصلبة.

 

يدفع الإرهابيون كما جرت العادة وحدات النخبة منهم إلى الخطوط الأمامية حيث يقوم الجيش العربي السوري بتدميرها في جميع خطوط الاشتباك وهذا ما حصل في سائر المناطق التي تم تحريرها مع بعض الفوارق التكتيكية والتفصيلية .

 

الحصيلة الفعلية لنهج القيادة السورية في إدارة الصراع منذ اتفاق مناطق خفض التصعيد تظهر اليوم في العديد من نقاط القوة التي تعزز فرص الانتصار في هذه المعركة:

اولا خسارة العصابات الإرهابية الكبيرة جراء تآكلها الذاتي في التنازع على السلطة واستنزافها بعمليات محكمة جرت خلف الخطوط إضافة إلى استهدفت بعض المواقع والعقد الرئيسية في عمليات سلاحي الجو السوري والروسي وبالتالي لم تظفر العصابات بأي استراحة تمكنها من مواصلة بناء التحصينات وتطوير قدراتها رغم الدعم التركي الكثيف.

 

ثانيا فضح الخروق التركية المتواصلة للاتفاقات الموقعة مع روسيا وترقب تبلور موقف روسي رادع للتلاعب التركي العدواني وهو ما جرى فعليا وظهر مؤخرا ببيانات ومواقف رسمية لا تقبل الالتباس وعدم الاستعجال السوري على الحلفاء ناتج عن تقهم دوافعهم ومدى حرصهم والتزامهم.

ثالثا في حصيلة الأسلوب السوري في إدارة الصراع ضد العدو التركي وعصابات القاعدة العميلة ومواصلة احتواء مبادرات الحليفين الروسي والايراني مع تفهم الدوافع والخلفيات دون تهاون في الضوابط تنضج عمليا عناصر مشهد سياسي متماسك في موقف سورية وحليفيها اللذين يحترمان مبادئها ومصالحها ومواقفها السيادية.

رابعا إن الاشتراك الروسي في عمليات حسم مشتركة مع الجيش العربي السوري هو عامل قوة كبير لسورية لايمكن التفريط به ويأتي تعزيز القوات الروسية المشاركة في القتال تعبيرا عن هذه النقلة التي سهلها الصبر السوري والتفهم السوري لحسابات الحلفاء وتبلور خط النهاية للمساكنة الروسية الهادئة مع الابتزاز التركي الذي اتبعت معه موسكو الليونة الذكية والمدروسة دون التفريط بأي من المصالح السورية التي اكدت عليها دمشق في جميع الظروف.

خامسا إن نهج الحسم وتوزيع المعارك الفاصلة إلى مراحل جغرافية وزمنية وسياسية سيحكم معركة تحرير إدلب وتقطيع الأذرع التركية القاعدية واستئصالها والقيادة السورية تعول على تداعيات الإخلال التصاعدي بميزان القوى واستنفاذ قدرات العصابات وداعميها بينما تتمسك بأسلوب التفكيك المنهجي وفتح أبواب المصالحات اللاحقة بالتوازي مع العمل العسكري كما فعلت سابقا في ريف دمشق وفي الجنوب السوري وقبل ذلك في معركة تحرير حلب.

يتأكد بما لا يقبل الجدل صواب الخيار السوري والنهج الحازم الحكيم الذي قادت به سورية هذا الفصل وما سبقه ولو كنا نشك في ان يعتبر المستعجلون والمشككون الذين ضجوا طويلا في شبكات التواصل الاجتماعي ولم يعربوا عن تراجعهم بعدما حسمت الوقاع العنيدة كل سجال.

سورية تسير إلى انتصارها ونقيق الجهلة يتبخر في الفضاء ولن تبقى إلا ثمار تضحيات الشعب والجيش وأبطال سورية المناضلين من اجل سيادتها الكاملة واثقين بقيادتهم الحازمة والشراكة مع روسيا وإيران تعززها منظومة راسخة من المصالح الاستراتيجية تسحق شكوك أي كان وتدحض اكاذيب الطابور الأميركي الغربي التركي الخليجي والأبواق العميلة.

مقالات ذات صلة