عن الحاكم ومسؤوليته بكل صراحة/ غالب قنديل

من يعود إلى أرشيفات وسائل الإعلام يجد ان مجلس الوزراء أقر بالإجماع في أيار 2017 أي قبل ثلاثة اعوام تقريبا تعيين حاكم المصرف المركزي لولاية جديدة تنتهي عام 2023 ولم يسجل في حينه أي اعتراض او امتناع لأي وزير من أي جهة سياسية مشاركة في حكومة الرئيس سعد الحريري في تلك الجلسة وقالت الصحف في اليوم التالي إن اتخاذ القرار استغرق دقيقة واحدة.

أولا في همس الكواليس تردد كلام كثير يومها وقدمت تبريرات متعاكسة الاتجاه فالبعض برر بالقول نبقيه لأن الأميركي يريد بقاءه وسيصعد ضغوطه ويقطع جميع المساعدات الغربية والخليجية عن لبنان إذا تم استبداله والبعض الآخر قال إن الحاكم يعرف الكثير من التفاصيل النقدية والتقنية والمصرفية ومن الأفضل ان يحمل تبعات سياسة هو من أدارها منذ ما يزيد عشرين عاما وتعيين حاكم جديد سيستهلك وقتا غير قصير للتعرف على خفايا العمليات المصرفية والمالية ودهاليزها وسيقت ذرائع كثيرة في تفسير هذا الاجماع ومنها أيضا حماية الاستقرار السياسي والنقدي لاحتواء الأزمات والمشاكل الاقتصادية والمالية وفق ما تردد منذ التسعينيات أما الرئيس الحريري وحلفاؤه فاعتبروا القرار إنجازا سياسيا وإداريا وماليا أضافوه إلى اوراق التحضير لمؤتمر سيدر بهدف الحصول على قروض جديدة وشراء المزيد من الوقت في لعبة كان سلامة شريكا في تصميمها منذ التسعينيات مع وعود الربيع الشهيرة ثم في مؤتمرات باريس المتلاحقة.

ثانيا منذ سنوات بعيدة كان النادي السياسي بإجماع الفرقاء على معرفة وثيقة بعوامل التدهور المالي والاقتصادي التي تعتمل في بنى النظام الريعي القائم ومخاطر استمرار لحس المبرد وشراء الوقت لاسيما مع الاستنزاف الناجم عن تثبيت سعر الصرف كما كانوا يعلمون جيدا سر التصميم الأميركي على فرض وتحصين استمرار الحاكم في موقعه الحساس وهو بدقة ما صرح به ديفيد شينكر مؤخرا في اشادته بتعاون الحاكم مع وزارة الخزانة الأميركية لتنفيذ العقوبات ضد لبنان وبالتالي قيامه بتصفية مصرفين لبنانيين بالأمر الأميركي تحت عنوان مطاردة أرصدة مزعومة للمقاومة ولمحازبيها وانصارها ولمؤسساتها الاجتماعية وقرار الرضوخ السياسي لتلك العقوبات كان فعل انصياع حكومي متجدد منذ البداية واستجابة حاكم المصرف كانت بالوكالة عن حاصل قرار السلطة السياسية وخيارها بالخضوع امام وصاية اميركية سافرة اختارت وكيلها المنتدب بشخص الحاكم الذي تبدى من سنوات بوصفه مفوض الانتداب الأميركي المالي على لبنان والمعضلة الفعلية هي في الرضوخ للانتداب نفسه ومن أصله وليست فقط في اسم المفوض الاستعماري بحراسته.

ثالثا خبرة الحاكم وتأهيله المهني قبل تعيينه اول مرة كانت في حمل محافظ الأسهم والسندات وادارة المضاربات المالية من خلال إحدى اهم الشركات المالية الأميركية ومن هناك وقع عليه خيار الرئيس الراحل رفيق الحريري وربما كانت يومها حدود معرفته بشؤون المالية العامة محصورة في بعض ما تلقاه خلال الدراسة الجامعية وقد كان شريكا رئيسيا في تصميم الفقاعة المالية والعقارية التي اطلقتها الحكومات المتعاقبة برفع الفوائد وبالاستدانة المتمادية وبتحريك المضاربات في كل مجال ممكن وبقوة سندات الخزينة التي جذبت معظم المدخرات والتحويلات بينما سحقت السياسات الحكومية القطاعات الانتاجية وتورمت القيم المالية وانتفخت التخمينات العقارية رغم خراب الإقتصاد الحقيقي في الصناعة والزراعة والسياحة وعاشت شرائح اجتماعية عديدة في جنة الازدهار الوهمي بينما كانت القوى السياسية المختلفة تحتفل ببطر وتنشد لسنوات خلف الحاكم ” الدنيا ربيع والجو بديع “.

رابعا منذ التسعينيات ظل صوت صارخ في البرية ورجع صداه يحذر من الازدهار الوهمي ومن الخضوع للوصاية الأميركية ومن الحلقة الربوية المدمرة وأربابها وقد تحولت مجموعة المعترضين من القوى السياسية والنواب والإعلاميين والخبراء إلى حفنة مضطهدة ومحاصرة ومظلومة ومحاربة تبحث عمن يؤازرها في نقد النموذج المدمر الذي تكيف معه الجميع بألف تبرير وعذر أو صمتوا عليه لتحاشي انقسامات جديدة والحاصل اليوم تحمله يوميات الانهيار الذي تكابد حكومة الرئيس حسان دياب لاحتوائه والتخفيف من نتائجه بينما تواجه صدا من الحاكم في أبسط واجباته وهو تقديم معلومات مالية صلبة حقيقية وذات مصداقية لتبنى عليها بعض التدابير الممكنة لتلافي كارثة ادهى وبمعزل عن توزيع المسؤوليات وعن جميع التفسيرات والتبريرات نكتفي اليوم بالتاكيد انه لامقدسات ولا حصانات امام الفقر الزاحف فلااستقلالية المصرف المركزي هي اولوية ولا قدسية النظام الحر المزعوم ونحن بانتظار الإعلان الرسمي لخطة الانقاذ الحكومية لنبني على الشيء مقتضاه.

مقالات ذات صلة