الشيخ علي الخطيب: التصريحات المسيئة لرئيس الحكومة هي استهداف في غير محله

وجه نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب رسالة الجمعة، فقال: “ان الله سبحانه وتعالى بعث الانبياء والرسل وانزل الشرائع والكتب ليخرج الناس من الظلمات الى النور، وهداهم الى ما ينفعهم ويسعدهم في الدنيا والآخرة، وتربيتهم وتزكيتهم من مساوئ الاخلاق، وقد وردت في ذلك الكثير من الآيات والروايات، فقال جل وعلا في بيان الغاية من بعثة نبيه المصطفى صلوات الله عليه واله: “هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين”، وقال تعالى: “الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور”، فالغاية هي تعليمهم الفضائل والاخذ بأيديهم الى محاسن الاخلاق وتزكيتهم من مساوئها وحفظهم من السقوط في مهاوي الرذيلة وخروجهم عن مراتب الانسانية الى درجات البهائم، حيث فضلهم الله تعالى عليها بما اعطاهم من نعمة العقل ووهبهم من القدرات التي سلطهم بها على جميع المخلوقات، قال تعالى: “وفضلناكم على كثير ممن خلقنا تفضيلا”. ولقد كان انبياء الله تعالى واولياؤه سباقين في التحلي بهذه الصفات، ومكارم الاخلاق تسبق افعالهم واقوالهم، فلم يدعوا الناس الى فضيلة من الفضائل الا وقد الزموا انفسهم بها، وهذا نبينا يمتدحه الوحي بما لم يمتدح به احدا من خلقه، قائلا فيه: “وانك لعلى خلق عظيم”، وقال سبحانه في الأنبياء: وجعلناهم ائمة يهدون بأمرنا واوحينا اليهم فعل الخيرات واقام الصلاة وكانوا لنا عابدين”.

أضاف: “لقد أراد الله سبحانه وتعالى ان تقوم العلاقات الانسانية على اساس من القيم الانسانية والاخلاقية والروحية حتى تستقر وتستقيم، وليس على اساس المصالح المتغيرة التي تحول المجتمع البشري الى مجموعات متصارعة متنازعة تفتقد الى الحس الانساني والاخلاقي، ففعل الخيرات والتسابق اليها هي احدى هذه القيم، وقد امر تعالى بان تكون مضمار السباق “والسابقون السابقون أولئك المقربون” فالمقياس في قرب العبد من ربه ان يكون من السابقين الى فعل الخيرات ومد يد العون للمحتاجين على قدر ما يستطيع ولو كان ذلك قليلا، واعطى سبحانه هذا الفعل صفة العبادة، وان هذا العطاء ولو كان قليلا يقي صاحبه النار، قال رسول الله “اتقوا النار ولو بشق تمرة”، وجعل سبحانه الانفاق على الفقراء والمساكين في سبيله- وليس لغاية دنيوية- من اسباب الغنى ورفع الحاجة في الدنيا فضلا عن الثواب العظيم الذي اعده له في الآخرة قال تعالى: “مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم”، ولقد كان امير المؤمنين علي عليه السلام يواسي نفسه بضعفة الناس فيلبس الخشن من الثياب ويأكل الجشب من الطعام مواساة للفقراء ويقول جوابا على من يؤاخذه على ذلك: ان الله تعالى فرض على ائمة العدل ان يقدروا انفسهم بضعفة الناس كي لا يتبيغ بالفقير بفقره”.

وتابع: “لقد كان الامام زين العابدين يحمل الصدقات على ظهره عندما ينام الناس، ثم يضعها امام بيوتهم دون ان يروه، حتى اذا توفي وانقطعت عنهم عرفوا انه من كان يأتي بها اليهم، وفي نفس الوقت دعا الاسلام المؤمنين الى الترفع عن اخذ الصدقات حتى لا يستسيغوا ان يمدوا ايديهم الى الناس، فعن الامام الحسن المجتبى: “ان شيعتنا يموتون جوعا ولا يمدون ايديهم الى الناس”، ان المؤمن الذي رباه الاسلام على الخلق الرفيع لا يتكل ولا يتواكل ولا يكسل على ان يجهد نفسه في ان يحصل قوته وقوت عياله، بكد يمينه وعرق جبينه ولا يرضى بان يتصدق عليه احد او ان يمد يده الى احد لانه عزيز النفس لا يرضى لها ان تذل او تكون مرتهنة الى احد من الناس مهما استطاع الى ذلك سبيلا، كما ربانا عليه ائمتنا عليهم السلام. وقد جاء في الحديث الشريف: ان اليد العليا خير من اليد السفلى”.

وقال: “ايها الاخوة المؤمنون، ان المسارعة الى البذل والعطاء في وقت الحاجة وفي وقت العسر والشدة، وكلما عز المال كان ثواب بذله اعظم، ونحن اليوم نمر بهذه الشدة ونبتلى بهذا البلاء حيث وضع البلاد في ازمة اقتصادية والناس في ضائقة، واذا اضيف الى الازمة الاقتصادية والمعيشية والازمة النقدية وعدم تمكن المودعين من سحب أموالهم من البنوك، ازمة تعطل الاعمال والحجر في البيوت بسبب الفيروس، فان الضائقة تتفاقم ومعاناة الناس تكبر، لذلك نحن اكثر حاجة الى التماسك والتعاضد، وان نمد يد العون للمحتاجين، ولقد وعدنا الله سبحانه ولن يخلف الله وعده ان يضاعف للمنفقين اضعافا مضاعفة، فلا يخافن احد ان يفتقر اذا اعطى من ماله حقا شرعيا او صدقة او زكاة، وقد قال تعالى: “وما انفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين”، فالمال مال الله والخلق كلهم عيال الله، وان احبهم اليه انفعهم بخلقه”.

وتوجه بالشكر من كل الدول والجهات “التي وقفت الى جانب لبنان في مواجهة جائحة كورونا، ولاسيما الحكومات الصينية والفرنسية والقطرية وغيرها من الدول التي تقدمت مشكورة بأجهزة ومعدات ومساعدات تسهم في تعزيز خطة التعبئة العامة في لبنان، ونحن اذ نقدر مواقف الجهات الدولية والمنظمات الإنسانية الداعمة للشعوب والدول في مواجهة جائحة كورونا في تعبير انساني متضامن مع هذه الشعوب، فإننا نأسف ان نرى دولة عظمى بحجم الولايات المتحدة الأميركية يمعن رئيسها في جبروته وصلفه فيسمي وباء كورونا بالفيروس الصيني، في عنصرية جديدة توجها بقطع المساعدات الأميركية عن منظمة الصحة العالمية التي تشمل رعايتها الصحية كل شعوب العالم، فضلا عن استمرار الحصار الاقتصادي والعقوبات الجائرة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي يتصدى شعبها بشجاعة وصبر لجائحة كورونا. ونحن نرى هذه العنصرية متجسدة في الكيان الصهيوني الذي يمعن في غطرسته ضد الفلسطينيين ويواصل عدوانه ضد لبنان وسوريا، وعلى الرغم من انشغال كيانه كما كل الدول بمواجهة جائحة كورونا، فان طائراته لا تزال تنتهك السيادتين اللبنانية والسورية في خرق واضح لكل المواثيق والأعراف الدولية، ونحن اذ نستنكر العدوان الإسرائيلي على سيارة مدنية في جديدة يابوس، فإننا نحمل الكيان الغاصب المسؤولية الكاملة عن تهديد امن المنطقة وتعريضها للحرب، ونطالب مجلس الامن بالاستجابة لشكوى لبنان والتحرك الفوري لإدانة إسرائيل ومعاقبتها على عدوانها الغاشم”.

ورأى في “التصريحات المسيئة التي طالت دولة رئيس الحكومة حسان دياب استهدافا في غير محله ولا يخدم مصالح لبنان العليا، التي تحتم وقف السجالات والمناكفات والتعاون مع الحكومة في سعيها لمحاصرة جائحة كورونا والانطلاق في الخطة الانقاذية التي تنهض بالاقتصاد الوطني وتثبت سعر النقد اللبناني، ونحن نؤكد على ضرورة العمل بجد لضمان حقوق المودعين باستعادتهم لاموالهم ومحاسبة الفاسدين من خلال اطلاق خطة نهوض اقتصادي تدعم القطاعات الإنتاجية من زراعية وصناعية وسياحية بما يحرك العجلة الاقتصادية ويوفر فرص عمل جديدة، وتأخذ في الاعتبار إعادة المال المنهوب وعدم تحميل الشعب اللبناني مسؤولية السياسة الاقتصادية الربوية التي اغرقت لبنان في مستنقع الديون والفساد والمحاصصات”.

وختم الخطيب: “نأسف ان تنال الحكومة سهام المشككين والمعرقلين لمسيرة عملها بدل التعاون معها، في وقت يحتاج وطننا فيه الى تحمل المسؤولية الوطنية وتعزيز التضامن الوطني الذي يحتم انخراط الجميع في انقاذ الوطن من الانهيار الاقتصادي والتردي المعيشي ومحاصرة جائحة كورونا”.

مقالات ذات صلة