الكورونا وتوظيف الدين/ العميد منير عقيقي*

العودة الطوعية الى الدين التي اختارها كثيرون اثر تفشي وباء الكورونا اكثر من حميدة. هي مطلوبة بفعل عالم مادي طغى على سلوك البشر، ما اضعف القيم الانسانية على نحو فاضح ومخيف، واظهرته على نحو واضح معدلات ارتفاع الجريمة وانتشار نسبة تعاطي المخدرات وتجارة الجنس، ما جعل العالم يبدو على قدر من الجنون والعبث المخيف.

ما يجب التوقف عنده بهدوء شديد وعقلانية تنتصر للايمان بالله كونه الخير والحق والجمال، هو استغلال البعض الوباء القاتل الذي يضرب في مشارق الارض ومغاربها للتوظيف الشخصي، وليس لتكريس الاعتقاد الديني.

في الاساس، التوظيف والاستثمار في الدين ليسا جديدين ولا طارئين. هما موجودان منذ الازل عبر الشعوذات والخرافات والتأويلات التي يقوم بها البعض القليل جدا. لكن المؤسف انه يوجد لهؤلاء مريدون ومؤيدون. غالبا ما استُنزفت المرجعيات الدينية، وهي تكافح هذه الظواهر المشينة التي تحولت الى خطر. نحن حاليا امام وباء لم توفّق الابحاث والمختبرات في كل العالم في تشخيصه وايجاد اللقاح المناسب لكبحه ثم لاحتوائه، فمعالجته. كل ما نعرفه حتى الان هو اجراءات وبروتوكولات للوقاية، لا تلبث تتزايد يوميا جراء تعقيد هذا “الفيروس القاتل”. اوضح اشكال الخطورة من هذا الوباء ان العالم برمته، ما اتفق على شيء بقدر اتفاقه على مقاربة موحدة تقضي بوجوب مبادرة الافراد الى عزل ذواتهم من تلقاء انفسهم، والتعاطي مع الآخرين على قاعدتين كلاهما مرعبتان. الاولى هي في التصرف مع الآخرين كأنهم مرضى، والثانية هي ان تتصرف مع نفسك امام الآخرين كأنك مريض. والعكس صحيح.
امام هكذا واقع محبط، يبعث على اليأس، يطل البعض لينبئنا بأن ما يحصل هو انتقام وغضب من الله. هذا كلام ينتقص من قدسية الالوهية التي تسمو بالروح، وهي اصلا ليست من طبيعة بشرية لتتعاطى على قاعدة الفعل ورد الفعل. فما حصل منذ تحول الفيروس إلى وباء عالمي، يوجب على المؤمن قبل سواه ان يتوقف امام ظواهر توظيف الدين لشهرة شخصية، والحصول على مفاضلة من هنا او هناك. هذا يتطلب ايمانا عميقا وصادقا. كما يتطلب شجاعة اخلاقية للتصدي لمثل هذه الظواهر العبثية التي تتلاعب بعقول واعصاب ومعتقدات البشر.

كتب الصحافي الصيني ووفي يو مقالة في صحيفة نيويورك تايمز بعنوان: “هل فيروس الكورونا هو انتقام البنجول آكل النمل؟”، استشهد فيه بمقولات من الكتب الصينية القديمة تحذر من اكل الحيوانات البرية، مثل البنجول والثعابين والخنزير. يقول الكاتب ان ثمة احتمالات بأن يكون الوباء قد انتقل من البنجول، ليعتبر في نهاية المقال ان كورونا قد تكون ثأرا بنجوليا من البشر الذين لم يسترشدوا بالكتب الصينية القديمة.

بدوره، اعتبر الحاخام المتشدد الناطق بالفرنسية رون تشابا ان الوباء علامة على ظهور المسيح، وقال ان “جميع العلامات التي تحذر من مجيء المسيح اصبحت ظاهرة للعيان الآن ومتوافرة، ومن المأساة ان نظل غير مبالين”. وظهر احد رجال الدين المسلمين في فيديو مسجل معترضا على اتخاذ تدابير متشددة في الاماكن المقدسة، قائلا “ان الشفاء من هذا الوباء يقتصر على زيارة هذه الاماكن تحديدا”، وعلى اعتبار “الفيروس ـ الوباء لا يصيب المؤمنين”، وهو ما تدحضه ارقام المصابين من رجال الدين ومن كل الديانات، شأنهم شأن غيرهم من البشر. في الولايات المتحدة الاميركية، رفض بعض العلماء الإنجيليين الخوض في دراسات وابحاث تحد من الاحتباس الحراري لأن ذلك في نظرهم “من عمل الرب”.

يتوجب على الجميع وقف هذا التوظيف، والتصدي له بالايمان الحقيقي الصادق وليس بالفكر المؤدلج. هنا تقع المسؤولية على الجميع، واهمية الدور الذي يقوم به الاعلام.

*رئيس تحرير مجلة الامن العام 

مقالات ذات صلة