اللامبالاة.. مقصودة/ العميد منير عقيقي*

في علم النفس، تُعرَّف اللامبالاة بأنها “حالة وجدانية سلوكية… ومن اسوأ مظاهرها انها تبعد الشخص عن التفكير في النتائج والاهداف التي قد يحصدها”. فهي تصيب الشخص نفسه، وقد لا تكون لها انعكاسات مباشرة وسلبية على الاخرين. اما الخطورة، فعندما تتحول “اللامبالاة” في مفهومها الفردي، الى “لامبالاة مقصودة” في مفهومها العام، وفي اشكال ممارساتها إن على المستوى العمودي اي السياسي والاقتصادي والاجتماعي، او على المستوى الافقي اي التعاطي بين الدول او بين الافرقاء داخل الكيان نفسه.

جاء في كتاب “ضغوط التاريخ واوهام العقائد، الحرب الايرانية العراقية 1980-1988″، للباحث العراقي الدكتور علي سبتي الحديثي، ما يلي: “… وقد ظلت الولايات المتحدة الاميركية لسنوات طويلة، تمارس سياسة اللامبالاة المقصودة والمبرمجة، الى ان اندلعت حرب الناقلات الشهيرة في الممر الحيوي لنفط الخليج…”.

كما جاء على لسان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في تغريدة تعود الى 28 كانون الثاني 2014، ما حرفيته: “اللامبالاة المقصودة والمزاجية النازعة نحو الدكتاتورية بغية السيطرة على الشريك في الوطن، تجعل من واجبنا رفض هذا السلوك ومجابهته”.

من يتابع الخط البياني للاحداث المتراكمة منذ 17 تشرين الاول الماضي، يتلمس “لامبالاة مقصودة” بازاء ما يمكن ان يذهب اليه لبنان واللبنانيون جميعاً نحو خراب عميم. الاسوأ من ذلك، ان حجم المغامرة والعبثية والفوضوية يعيد الى الاذهان مقولات سادت في القرن الماضي وفجّرت البلد بالجميع وعليهم، وكلفت الدولة اثماناً باهظة، ليسود بعده اعتقاد بأن اللبنانيين لن يعودوا الى استسهال ركوب المغامرات واستدعاء الخارج او ملاقاته على حساب امانهم واستقرارهم وازدهارهم. لكن ما حصل ويحصل يقول عكس ذلك تماماً، جراء سيادة الفوضى ولغة الرفض حتى للحوار او التعاون، للتبصر في كيفية الخروج من الوضع الراهن الذي يتجاوز كونه “ازمة”، لأنه اضحى مأساة وطنية جامعة تطاول كل اللبنانيين حكاماً ومحكومين.
“اللامبالاة المقصودة” تتفرّع الى شقين: داخلي ودولي. كلاهما يلاقي الاخر عند مقولة واحدة صارت تتردد بوضوح تام ومفادها “فليسقط الهيكل” عن قصد او عن كيدية. وترداد مقولات مرعبة من نوع “العنف الثوري”، علما ان من يطلق هذا الكلام يعرف تماماً كارثية هذه الجملة.

داخلياً، اول ما يستوقف المراقب حول “اللامبالاة المقصودة”، اسئلة هي اقرب الى الاستعصاء الذهني، مثل: ما الذي يمنع الحوار المسؤول؟ ادعاء السلطة والمنتفضين تمثيلهم للموجات الاحتجاجية، وكما ليس للسلطة ان تزعم شرعية مطلقة، كذلك ليس للمحتجين ان يزعموا شرعية حصرية. اين البديل في ظل تصدع البنى المجتمعية كلها وانقسامها على ذواتها وضد بعضها البعض؟ وكيف للبعض ان يدعي تمثيل الفقراء ممن يسكنون احزمة البؤس على كامل الجغرافيا اللبنانية؟

مشهد الشطر الدولي من “اللامبالاة المقصودة”، الذي يلاقي نظيره الداخلي، يتمثل في صمت المجتمع الدولي طويلا مما خلفته المشاريع والخطط منذ عام 1948 حتى حرب تموز عام 2006. كما تعميته عن الارهاب التكفيري الذي ضرب اول من ضرب لبنان في جرود الضنية عام 2000 واستمر الى ماض قريب جدا حيث كان يسعى الى استهداف احدى السفارات الدولية. وقد حاصرت الحروب المنطقة، ولبنان جزء منها، وكان من نتائجها نزوح سوري فاق قدرات البلد المالية والاقتصادية والديموغرافية. تحوّل البلد الى منصة كباش بين دول متصارعة فيه وعليه، وبين قوى داخلية لا تجتمع للتفتيش عن الحلول قبل ان تسقط الدولة لا سمح الله.

الحل عند كل اللبنانيين مجتمعين، سلطة ومعارضة، فقراء واثرياء، محازبين ومستقلين. وفي حال استمرت اللامبالاة المقصودة عند البعض لغايات في نفس يعقوب، فهذا يعني السير طوعاً الى المجهول الذي لن يوفر احداً.

 

* رئيس تحرير مجلة “الامن العام”

مقالات ذات صلة