البث التلفزيوني الأرضي المرمز/ غالب قنديل

تعلن بعض القنوات اللبنانية المرخصة عن قرب تشفير بثها الأرضي واضطرار المشاهدين الراغبين إلى التزود بأجهزة استقبال معدة تقنيا لفك التشفير مقابل مبالغ مالية شهرية وبالتالي عدم قدرة اللبنانيين على المشاهدة ما لم يدفعوا بواسطة مجموعات الكابل المنزلي التي تتفق معها القنوات على إعادة بث برامجها من خلال الباقات التي توزعها على مشتركيها لقاء بدل مالي.

أولا حصلت المؤسسات التلفزيونية المرخصة على ترخيص بالعمل ضمن الفئة الأولى بينما البث المشفر مصنف ضمن الفئة الثالثة أي المؤسسات المرمزة التي تضم المؤسسات التلفزيونية التي لايمكن التقاط بثها إلا من قبل مشتركين مزودين بتقنيات الاستقبال وفك التشفير وفقا لنص المادة العاشرة من القانون 382/ 94 التي ورد فيها تعريف أربع فئات من المؤسسات التلفزيونية كما يلي :

“المادة العاشرة:

تصنف المؤسسات التلفزيونية وفقاً لما يأتي :

فئة أولى : المؤسسات التلفزيونية التي تبث البرامج المرئية بما فيها البرامج والأخبارالسياسية التي يطول بثها كل الأقضية اللبنانية .

فئة ثانية : المؤسسات التلفزيونية التي تبث البرامج المرئية باستثناء الاخبار والبرامجالسياسية والتي يطول بثها كل الأقضية اللبنانية .

فئة ثالثة: المؤسسات التلفزيونية المرمزة التي لا يمكن متابعة برامجها الا من قبلمشتركين مجهزين تقنياً لهذه الغاية .

فئة رابعة : المؤسسات التلفزيونية الدولية التي تعتمد أساليب البث بواسطة السواتلالصناعية ويتعدى نطاق بثها الأراضي اللبنانية .

يجوز للمؤسسات التلفزيونية ضمن إمكانات الإرسال المخصصة لها أن تفصل عن برنامجها العام بثاً مخصصاً لمنطقة معينة من المناطق اللبنانية يعنى بشؤون هذه المنطقة شرط أن لا تتجاوز مدة البث العشرين ساعة أسبوعيا”.

وفق نصوص القانون النافذ 382/ 94 إن إقدام أي مؤسسة مرخصة من الفئة الأولى على تشفير البث يفقدها الترخيص كمؤسسة من الفئة الأولى ويعتبر مخالفة فاضحة لشروط حصولها عليه وهي بحاجة لترخيص جديد بالبث كمؤسسة من الفئة الثالثة التي لم يصدر دفتر شروط خاص بها بخلاف الفئتين الأولى والثانية ونصت المادة الثانية والخمسون من القانون على تنظيم عملها بقانون خاص لم يصدرمنذ العام 1994 وفي ذلك أحد وجوه التقصير الفاضح للحكومات المتلاحقة على صعيد تطبيق القانون ومواكبة التطور التقني.

ثانيا إن جميع شبكات البث التلفزيوني المرمز القائمة فعليا في لبنان والمصطلح على تسميتها بالكابلات سواء منها الأرضية الواصلة إلى البيوت بخطوط نقل تستعمل أعمدة الكهرباء والهاتف أم تلك التي تبث هوائيا بترددات خاصة تصل إلى مشتركين مزودين باجهزة استقبال خاصة تعمل جميعها خارج القانون منذ سنوات وتمت تغطية بعض شركات الكابل الهوائي بالتحايل على القانون من خلال الترخيص المؤقت باستخدام ترددات من قبل وزارة الاتصالات وهو ترخيص لا يشمل أي ضوابط اخرى مالية او برامجية تطال المحتوى الإعلامي وحقوق المستهلك في تسعير الاشتراكات أوأي شروط أخرى لإعادة بث القنوات العربية والأجنبية في لبنان كما هو معمول به في سائر دول العالم.

إن فوضى المحتوى الإعلامي التي جسدتها معضلة الكابلات غير المرخصة فرضت على حساب الشركات المرخصة منافسة غير متكافئة مع القنوات العربية والأجنبية التي وضعت بتصرف المشاهدين بذات المواصفات والشروط واقتطعت برصيد نسب المشاهدة المحلية التي حققتها جانبا من الموازنات الإعلانية المكرسة للسوق اللبناني.

ثالثا بدلا من التحرك لتنظيم هذا الواقع تتجه بعض المؤسسات المرخصة إلى المزيد من استثمار الفوضى وبعضها يتبنى نظرة إباحية لاتقيم وزنا لضرورة تنظيم استخدام المرفق العام الذي هو رزمة الترددات والطيف الوطني للبث التلفزيوني والإذاعي الأرضي وهي بالأصل توقفت عن استخدام الترددات التماثلية التي تضمنتها مراسيم ترخيصها الصادرة عن مجلس الوزراء وأوقف معظمها عمل محطات الإرسال الأرضي ليندمج في شبكات التوزيع القائمة بكل ما فيها من مخالفات للقوانين بينما تراكمت على بعضها ديون باهظة للخزينة العامة من بدلات الرسوم غير المسددة.

شكل التعطيل المتعمد لخطة إقامة شبكة وطنية عامة للبث الرقمي الأرضي منذ العام 2012 فعلا تواطأ فيه فريق رئيسي في السلطة يحمي مصالح مجموعات تستثمر في الفوضى السائدة على حساب المرفق العام وتعمل لامتلاك حقوق حصرية لإعادة بث البرامج والمنتجات التلفزيونية بواسطة الأنترنت والاشتراكات المنزلية بجميع أنماطها وقد أدت تلك الفوضى إلى إباحة المحتوى الإعلامي المؤذي وطنيا واجتماعيا عبر إعادة البث غير المشروع لقنوات وافدة يهدد مضمون بثها الوحدة الوطنية والسلم الأهلي والقيم الاجتماعية اللبنانية وهي أبعاد رئيسية يلزم القانون باحترامها في مضمون البث البرامجي إضافة لمنع ترويج العنف والعلاقة بالعدو الصهيوني.

رابعا إن ما يتوجب على مجلس الوزراء اتخاذه هو اقرار دفتر شروط نموذجي خاص بمؤسسات الفئة الثالثة ولأصول عملها القانونية والمالية والبرامجية وإصداره بمرسوم لتنظيم عمل مجموعات الكابل المنزلي والقنوات اللبنانية الراغبة بتشفير بثها لترخيص عملها ولإخراجها من الفئة الأولى وفي هذا السياق ينبغي ان يناقش مجلس الوزراء خطة بناء شبكة البث الرقمي الأرضي ويتخذ قرارا نهائيا بمصيرها المعلق باستكمال وضع دفتر الشروط وإجراء مناقصة عالمية لتنفيذها وتمويل إنشائها وفقا لقواعد الشراكة الممكنة مع الشركات الراغبة ومن الخيارات الممكنة دراسة احتمال الترخيص باكثر من شبكة رقيمة أرضية بشرط وضع القواعد التي تحمي مصالح المشتركين وتمنع الاحتكار وتنظم المنافسة وهو ما ينبغي ان يتضمنه قانون الإعلام الذي مايزال اقتراحا قيد المناقشة في اللجان النيابية او القانون الخاص بالبث المرمز الذي لم يصدر رغم وجود نص قانوني ملزم بذلك كما أشرنا.

مقالات ذات صلة