هل يُمارس المراسلون على الأرض مهنتهم بحرفية أم ان الغرائز تغلب على المهنية؟

هذا هو المطلوب من الإعلاميين في عصر الحراك والثورات!

==== كتب سامي كليب

منذ أكثر من ١٠٠ يوم، نشاهد مراسلي الاعلام اللبناني منتشرين بشجاعة استثنائية في الطرقات. أُصيب بعضُهم لكنه تابع العمل، اُهين البعضُ الآخر لكنه لم يتراجع، طُرد كثيرون من مناطق تحرّك فيها العصب الطائفي أو المذهبي أو الزعمائي، ثم عادوا اليها رغم الخطر. لكن السؤال اليوم بعد ثلاثة أشهر على الحراك اللبناني: هل يُمارس المراسلون على الأرض مهنتهم بحرفية، أم ان الغرائز تغلب على المهنية؟ وهل قلة المعرفة بالمهنة وانعدام التدريب الحقيقي يزدان الفوضى، ويضاعفان الخطر على الصحافي نفسه؟

يستند مفهوم “الإعلام” الى فكرة “إعلام” الجمهور بما يحصل، وهو يتضمن إذا “العلم” بالشيء قبل قوله. وتستند مهنة المُراسل على وصف ما يجري، ثم إضافة المعلومات الضرورية التي لا نراها على الشاشة. فماذا يهُمُّني مثلا أن يقول لي المراسل:” هذا عسكري يضرب متظاهرا، أو هذا متظاهر يعتدي على العسكري”؟ فأنا اشاهد ذلك بأم العيّن على الشاشة بوضوح، دون أن أعرف شيئا عن المتظاهر، من اين أتى؟ وما هو انتماؤه؟ وما هي مطالبه المُحقّة بعيدا عن الصراخ والشتائم والسباب؟

انطلاقا من ذلك أعتقد أن المطلوب من الزملاء الإعلاميين على أرض الحراك اللبناني وكل أرض أخرى يُرسَلون اليها هو التالي:

• أولا: ان نعرف منهم بالتفصيل، من يتحرك على الأرض؟ من أين يأتون؟ وماذا يمثلون؟ فحتى اليوم مثلا لم تُجرَ أيُّ دراسة تقول لنا بالتفصل كم هو العدد الفعلي للحراك، ما هو التوزيع الجغرافي لناسه، كم يوجد تمثيل حزبي بين الناس؟ ما هو العدد الحقيقي للمستقلين؟ الى أي قطاعات اجتماعية ووظيفية ينتمي المتظاهرون؟ كم نسبة من يمثل الطبقات الفقيرة والأخرى الغنية؟ ما هي نسبة المتعلّمين بين الناس؟ ثم ما هي المطالب الكبرى المُتفّق عليها؟ وما هي نسبة المندّسين؟ والى أي إدارات تنتمي القوى الأمنية على الأرض، ولماذا بعضها يُقدم وبعضها الآخر يتردد ويُحجم.

• ثانيا: أن يكون مع كل مراسل على الأرض، شخص آخر يُسمى ب ” المُنتج” فهو وحده القادر على رصد الناس واختيار من يُحسن التعبير بينهم، فيدعوهم للحديث أمام الكاميرات، بحيث تخف الشتائم ويتقدم صوت المنطق الذي يخفف من قلق غير المتظاهرين ويدعوهم للانضمام الى الناس دفاعا عن مصالحهم. فليس معقولا أن يكون الخيار دائما عشوائيا وأن يكون معظم الكلام جارحا للآخر وليس فيه أي معلومة جديدة.

• ثالثا: أن يعرف المراسل واجباته. فهو هنا ليس ثائرا ولا ناشطا سياسيا، وليس عليه بالتالي أن يكون مع الحراك أو ضده. دوره الوحيد هو ان ينقل ويشرح ما يجري، وحينها تغلب الموضوعية على كلامه ويتم استقباله أينما كان دون التشكيك بدوره. هذا واجبه. وعليه كذلك عدم نقل صور صادمة او مناهضة لحقوق الانسان أو فاضحة أو جارحة، وعدم تصوير الأطفال بدون اذن أهلهم، وعدم السير متباهيا فوق جثث القتلى مهما كان انتماء أو شكل القتلى. وعليه استخدام لغة علمية موضوعية، فلا يمدح ولا يقدح، ولا يحث من يقابلهم على قول هذا الأمر او ذاك، وانما يحاول افهامهم بإبقاء الكلام في حدود الأخلاق والشرح.
• رابعا: أما حقوق المراسل على الأرض فهي كثيرة وأبرزها أن يتمتع بالحماية الجسدية المفروضة على مؤسسته، بحيث يكون مرتديا سترة واقية من الرصاص، وواضعا على رأسه قبّعة حديدة، وأن تكون المؤسسة قد ضمنت له تغطية طبية وصحية في حال تعرّض لأمر خطير أو فقد أحد أطرافه أو أصيب بعاهة دائمة، وضمنت لعائلته تعويضا لو أصابه مكروه. وفي حالات الحروب والأزمات الكبرى والثورات، يكون راتب المراسل مضاعفا على الأقل مرتين او ثلاث مرات في الدول والمؤسسات التي تحترم نفسها.

• خامسا: للمراسل الحق على مؤسسته بأن يكون عنده محام يدافع عنه في حال تعرّض للاعتقال أو السجن، وتوفير ظروف حياتية لائقة لعائلته إذا ما توقف بسبب الاعتقال عن العمل.

• سادسا: على نقابتي الصحافة والمحررين في لبنان، إقامة دورات تدريبية دائمة للمراسلين والصحافيين بالتعاون مع مؤسسات دولية حقوقية بغية تطوير عمل الإعلامي وتعريفه بحقوقه وواجباته، كما ان على النقابتين العمل حثيثا على تأمين ظروف حياتية لائقة وضمانات حقيقية للصحافيين، والدفاع عنهم مباشرة وعبر محامين وقضاة ومؤسسات دولية في حال تعرضوا للإهانة او الاعتقال او الطرد من مؤسساتهم لأنهم مارسوا موضوعتيهم.

أنا عملتُ في مؤسسات دولية عديدة، وكنّا قبل أن نتوجه الى أي منطقة خطيرة، نُعرض على طبيب المؤسسة ليشرف على صحتنا ، ثم ينصحنا باللقاحات الواجب أخذها والأدوية الضرورية التي ينبغي الاحتفاظ بها في تنقلاتنا، كما كنا نخضع لدورات تدريبية على كيفية التعامل مع السلطات والجيوش والميليشيات والمتحاربين والمتظاهرين، بحيث نكسب ثقة الجميع كي نستطيع العمل في ظروف أقل خطرا، ونخضع كذلك لدورات تثقيفية حقوقية من مؤسسات الأمم المتحدة او المنظمات الدولية العاملة في الحروب كالصليب الأحمر مثلا، تشرح لنا ما هي حقوق الإعلامي وواجباته وكيفية البقاء تحت الشرعة الدولية لحقوق الانسان وحرية الصحافة. وقد نقلت مع بعض الزملاء لاحقا هذه المعارف جميعا في دورات تدريبية اجريناها لزملاء في دول عربية عديدة.

هذا غيضٌ من فيض العمل الصحيح للمراسلين على الأرض، والأهم من كل ذلك ان على المراسل أن يُعلم، لا أن يناضل، وأن يشرح لا أن يعزز الغرائز، وان يبقى ملتزما بأخلاق المهنة، وأن يكون إعلاميا لا بوقا لهذا الطرف أو ذاك. فبعد ١٠٠ يوم من الحراك اللبناني، تغيّرت وتبدّلت أمور كثيرة وما زلنا نسمع عبر الشاشات، الشتائم والاشتباكات والتحطيم، وقلّما نفهم ماذا يجري بالضبط. لا شك أن بين أهل الحراك كثيرين من هم جديرون بالشرح، لكن الأهم هو التحقيقات الاستقصائية لتقديم لوحة دقيقة عن شكل وناس وانتماءات وتوجهات وبرامج وطبقات ووظائف وثقافة أهل الحراك.

يجب أن نكون #اعلاميين_لا_أبواق.

مقالات ذات صلة