عندما يغيب صوت الاعتدال في الإسلام يزأر ”مبسوط” !

من أجاز للسعودية ان تكون مصدر الحل والربط في كل ما يتصل بالدين؟!

===كتب طلال شتوي

أسوأ ما تعرّض له الفكر الأسلامي في هذا العصر هو تغييب دور الأزهر الشريف كمرجعية دينية وعلمية وفقهية، وبالتالي اسكات صوت الوسطية والأعتدال في الأسلام، لصالح فكر مسعور قائم على تكفير المجتمع والسلطات الحاكمة، وتشريع كلّ ما حرّمه الأسلام من عنف واجرام بحجة اقامة الحكم الألهي.

ما فعله الشاب عبد الرحمن مبسوط في طرابلس، ليلة عيد الفطر، يندرج في هذا السياق التدميري للأسلام وللنص القرآني وللحديث النبوي الشريف.

لماذا هذا الأصرار من الجميع تقريبا على عدم رؤية جوهر المشكلة، وبالتالي التعامل معها دينيا وفكريا وليس فقط أمنيا وعسكريا؟!

لماذا يغيب صوت رجال الدين في مسألة هي من صلب مهامهم وواجباتهم؟

لماذا يتفنن السياسيون في اختيار الألفاظ والعبارات حمّالة الأوجه ويكتفون غالبا بالترحم على الشهداء؟

لماذا يسوّق لنا الأعلام تحليلات تبريرية مع ما تيسّر من مصطلحات تتم فبركتها في مراكز المخابرات الخارجية والداخلية؟

الأهم، لماذا يكون همّ المواطنين حسني النيات اثبات ان طرابلس ليست مدينة حاضنة للتطرف والأرهاب، وبأننا “نعشق” الجيش والقوى الأمنية والأعياد والأفراح والليالي الملاح؟ وهل طرابلس متهمة بأنها تكفيرية والعياذ بالله؟

لقد حكمنا العثمانيون 400 سنة فيها الكثير من المثالب والقليل النادر من الفضائل، ولكن حين انتفض مصطفى كمال أتاتورك على خزعبلات الفساد الديني ليؤسّس تركيا المدنية العلمانية، فأننا وبكل جدارة لم نتأثر في بلداننا المنكوبة بالمتغيرات التركية وحرصنا على حماية ارثنا المقيت من العقلية العثمانية.

واليوم، لا أدري من أجاز للمملكة العربية السعودية أن تكون مصدر الحل والربط في كل ما يتصل بالدين، علما أن المذهب الوهابي الطاغي في بلاد الحجاز ليس المذهب المفضّل لدى أهل مصر والشام والمغرب العربي، لا بل أن بساطة الأيمان الفطري ذا الأتجاه التصوفي في القاهرة ودمشق وحمص وحلب وبيروت وطرابلس (وكلّ المدن في المنطقة) ينبذ التشدّد الوهابي ولا يتفق مع تفاسيره لأحكام الشريعة.

بالمناسبة، خلال السنتين اليتيمتين من حكم الأخوان المسلمين لمصر، سرت شائعة مفادها أن الدولة ستزيل مقامات ومزارات أهل البيت في القاهرة، وأشهرها مقامات الحسين وزينب ونفيسة. وكان رد الفعل المصري الشعبي البديهي والمتوقع أن ربة المنزل تركت طبختها على النار ونزلت الى الشارع لكي تصرخ ضد هذا الأجراء الذي يدمّر تراثها الأيماني والعاطفي والأخلاقي والثقافي.

وبالمناسبة ايضا، هل تعرفون لماذا فضّل مسلمو المنطقة مذهب أبي حنيفة النعمان على المذاهب الأخرى؟ لأن أبا حنيفة هو الوحيد الذي لم يحصر الخلافة والأفتاء في قريش معتمدا على أحد أرقى وأهم الأحاديث النبوية: لا فضل لعربي على أعجمي الا بالتقوى.

بالعودة الى اللماذات التي طرحتها، لا شك أن السكوت محنة كبرى حين يكون الكلام واجبا دينيا وانسانيا ووطنيا، وان الساكتين أصناف، بينهم طلاب السترة والحيطة والحذر، وبينهم الخائفون على حياتهم أو مناصبهم أو ثرواتهم، وبينهم الجهلة في امور الدنيا والدين، وبينهم للأسف المتورطون.

ولكن، الله واحد والعمر واحد…

مقالات ذات صلة