زمن ” الباسيلية السياسية”

قائد الحريرية السياسية عام 2005 كان جنبلاط ورمزها في 2019 كان جعجع

===كتب طلال شتوي

الكلام المسرّب عن لسان وزير الخارجية جبران باسيل، يستحق نقاشا جادا بعيدا عن المهاترات والتحديات والتوظيف السياسي والمذهبي والغرائزي.

فعليا، لم يخطىء باسيل في توصيف لبنان ما بعد الطائف بأنه لبنان الجديد القائم على تناتش بقايا جثة “المارونية السياسية”.

الخطأ الباسيلي هو توصيفه للنظام السياسي الوارث للمارونية السياسية بالسنّية السياسية، فلا وجود لما يسمّى السنّية السياسية، وأقرب توصيف واقعي للمتغيرات هو الحديث عن الحريرية السياسية والتي، للمفارقة، خدمها وشارك فيها مسلمون ومسيحيون من كل المذاهب.

هذه الحريرية السياسية لم تكن لتنجح في حكم لبنان بدون الرعايتين السعودية والسورية، وبدون التحالف مع ميليشيات الحرب الأهلية، وهي لا تشبه المارونية السياسية في شيء.

لقد فشلت المارونية السياسية رغم قوة مؤسساتها السياسية والدينية والأقتصادية والتربوية والأعلامية في حماية لبنان، وبالتالي في الحفاظ على مكتسباتها وامتيازاتها.

بالمقابل، لم تنجح الحريرية السياسية في نسخ التجربة، ولم تؤسس لسنيّة سياسية، ويكفي التذكير بأن قائد الحريرية السياسية عام 2005 كان وليد جنبلاط، وأن رمز الحريرية السياسية عام 2019 هو سمير جعجع.

دستوريا، اتفاق الطائف نزع صلاحيات رئيس الجمهورية ووضعها في مجلس الوزراء مجتمعا، أي صار الحكم حسب النص قائما على الشراكة داخل مجلس الوزراء.

فعليا، قام رفيق الحريري بشراء اتفاق الطائف وتفريغه من جوهره، وتوسيع دائرة نفوذه الشخصي، وكان الثمن الذي دفعته الطائفة السنية تحديدا أنها خسرت مكانتها كطائفة جامعة تمثّل كل المسلمين لتتحول الى مذهب من بين المذاهب المتصارعة على السلطة والمال.

ميزة الحالة العونية أن ميشال عون ليس خريج المارونية السياسية، رغم انه تدرج في مؤسساتها وصولا ليصبح قائدا للجيش ومن ثم رئيس الحكومة الأنتقالية عقب الفراغ الرئاسي عام 1988.

لكن ميشال عون لم يكن الرجل المثالي بالنسبة لأركان المارونية السياسية، وهو لم ينل يوما بركة بكركي وتأييد أحزاب المارونية السياسية التقليدية، لدرجة أن الجميع تشارك في عملية الغائه واقصائه ونفيه الى فرنسا.

الجديد، اليوم، هو “الباسيلية السياسية” التي تحاول أن ترث “العونية السياسية” وتعدّل في مساراتها ومقارباتها للشأن الوطني، السياسي والدستوري.

جبران باسيل لا يريد أن “يشتغل” عند سعد الحريري، ولكنه يريد وبشدة أن “يشتغل” معه! وأن يرسي تحالفا سلطويا بين “الحريرية السياسية” و”الباسيلية السياسية”، وتوصيف الأمر بأنه تحالف بين الموارنة والسنّة، وهو اختصار غير موفق للطائفتين.

ثم، ماذا عن “الشيعية السياسية”؟

لماذا لا تستثمر هذه “الشيعية السياسية” الكامنة فائض القوة السياسي (وليس العسكري) لديها لكي تسطو على الحكم؟

هناك عدة أجوبة على هذا السؤال، وشخصيا أميل الى الجواب البسيط الذي يقول أن هذه الشيعية السياسية تتقن فن الأنتظار، وانها لا تريد الحكم بالسطو بل هي مدركة بأن هذا الحكم سيقع في أحضانها من تلقاء نفسه في الوقت المناسب.

المارونية السياسية تشبه صناعة الفخار، وللفخار أعمار.

السنية السياسية تشبه الأبراج الزجاجية، جميلة وهشة وقابلة للزوال.

الشيعية السياسية هي السجاد الأصفهاني الذي يطوّع خيوط الحرير بصبر السنين وتعب العيون.

شخصيا، أحلم باللبنانية السياسية، وهو حلم بعيد المنال.

مقالات ذات صلة