راجي الراعي فاجأ المحكمة بالدفاع عن ميّ زيادة

======= كتب فارس يواكيم

“شرارة من دماغ النبوغ، وقطرة من ندى العبقرية، ذلك هو راجي الراعي”. بهذه العبارة حدثنا الأديب الشاعر إلياس أبو شبكة عن القاضي والأديب والخطيب في إحدى المقالات التي كان ينشرها في صحيفة “المعرض” ويوقّعها بلقب “رسّام”. وفي المقالة ذاتها استرسل أبو شبكة في وصف بعض طباعه: “تلتقيه في الطريق فتحيِّيه، فلا يأبه لتحيَّتك أو لا يسمعها، فهو في يد التفكير أيَّان وُجد وأيَّان وجدته، وهو قد يكون عالقاً بأذيال “قطرة” يجمعها إلى بحره”.

وما كتبه أبو شبكة في الثلاثينيات عرفتُ نظيره في الستينيات. هكذا كنت أرى راجي الراعي وهو يتمشّى شارد الذهن في بولفار زحلة كأنما يهمس لنفسه. كنت أتابعه من الرصيف المقابل وحتماً هو غير شاعر بي. إذا وجدته عرج على شرفة فندق قادري تبعته، ومررت بجواره وألقيت عليه التحية، فإذا انتبه لوجودي وردّ التحية، شعرتُ بالسعادة لأنه غالباً يدعوني لمجالسته. في معظم الأحيان كان هو المتحدث وكنت أستمع بشغف، وفي بعض الأحيان كنت المتكلم أجيب عن سؤال طرحه عليّ، خصوصاً في موضوع المسرح الحديث، وهو كان مطلعاً على الكلاسيكيات، لكن حب المعرفة لا ينضب لديه.

كان خطيباً بليغاً. تعرفت عليه يوم رثى عمّي بكلام هو من الأدب الخالص. كان يكتب الخطاب مسبقاً ويحفظه عن ظهر قلب ويلقيه منمقاً. لأن الخطيب الذي يقرأ من ورقة يفقد الكثير من التأثير في جمهور السامعين. وكان مجيداً في الإلقاء أيضاً. ومن أشهر مرثياته تلك التي قالها ناعياً خاله الصحافي شكري البخاش: “تعالوا قفوا في ظلاله وارفعوا عنه غطاء القبر واقرأوا عليه كلمة التاريخ (…) سأنبشُ قبرك كلما طلعت هذه الشمس لتنفذ أشعتها في عظامك، فلقد عشتَ في النور وتموت في النور”.

وكانت حياته حافلة بأحداث تُروى. أولها مولده سنة 1894 في جزيرة فكتوريا في ولاية كولومبيا البريطانية في كندا حيث كان والده إبراهيم الراعي مهاجراً. وكان في العاشرة من عمره عندما عادت الأسرة إلى جذورها في مدينة زحلة في لبنان وأكمل الدراسة في الكلية الشرقية. نال البكالوريا سنة 1910. في العام ذاته أسس خاله جريدة “زحلة الفتاة”، لكنه كان دون السن القانونية فتشارك مع صهره إبراهيم الراعي، وكان شعارها “قُلْ الحق ولو في حضرة سلطان جائر”.

أخبرني راجي الراعي أنه رغب في أن يمتهن الصحافة، لكن مجلس العائلة قرر أن يكمل الدراسة العليا أولاً، وعليه أن يختار بين الطب والهندسة والمحاماة. قال إنه لا يتحمل منظر الجروح والدماء، ويخشى أن ترتعش يده في أثناء الجراحة فيقطع شرايين المريض ويتحمّل لعنة أهله. وهو لا يصلح للهندسة، لأنه كان ضعيفاً في الرياضيات. وقد اختار المحاماة لأن فيها الكتابة والإلقاء، وهي الأقرب إلى مزاجه. وكان ينتحي ركناً في كروم زحلة أمام شجرة تين ودوالي عنب ويتدرّب على المرافعة، معتبراً الشجرة منبر القاضي، والعناقيد هي الجمهور.

سافر إلى مصر والتحق بكلية الحقوق الفرنسية في القاهرة، وكانت فرعاً لنظيرتها في باريس. رافقته جدته واسمها عطرش. قال: “هو اسم لا بأس به، سوى أن الشين ذهبت بالعطر ولم تُبْقِ له أثراً”. درس القانون ونال الإجازة من باريس سنة 1913. وعاد إلى زحلة وعُيّن مستنطقاً في محكمة المدينة. وبدأ يمارس هواية الكتابة في جريدة العائلة. ولاحقاً أخذ ينشر مقالاته في صحف بيروت، في “المعرض” (سنة 1923) و”الأحرار” و”الراصد” و”النهار” (تأسست 1933) و”الأديب” كما في كبريات الصحف الصادرة في القاهرة، في “الهلال” و”المقتطف” و”الرسالة”. وفي الأخيرة نشر في عدد أكتوبر/ تشرين الأول 1949 قصيدة في رثاء شاعر القطرين خليل مطران، مطلعها: “مسح الخلود جبينه إعظاما/ فأفاق من بين العظام وقاما/ وأزاح عنه ترابه وظلامه.. وعاد يصفّق بالجناح وحاما/ يا من تخيّرك البيانُ لسحره.. لم يرضَ غيرك سيّداً وإماما”.

وقد اشتهر راجي الراعي، الكاتب والأديب، بأسلوب مكثف وبنفحة شعرية، تجلّى في شذرات كان يكتبها وأعطاها عنوان “قطرات ندى”. أصدرها في كتاب عن “مطبعة زحلة الفتاة” سنة 1924. ثم أصدر طبعات أخرى منه (أربع بالعربية وثلاث بالفرنسية) فيها شيء من القديم وشذرات جديدة. وإليكم بعضاً من هذه القطرات: “القلوب أجراس”.. “بين العين والغمام صلة إخاء قديمة”.. “أزهار الشجرة أحلامها تتحقق في الثمار”.. “الأمواج تنهّدات البحر العميقة”.. “الصحراء كفٌّ طويلة مبسوطة تستجدي الماء”.. “في لفظ “القمّة” شيء يقول لك قُمْ”.. “الظلّ تعاسة تتذكّر أنها كانت شعاعا”.. “الفجر شعرة بيضاء في رأس الليل”.

وبعد “قطرات ندى” نشر راجي الراعي “الصحائف الحمر”، و”عصير الكرمة”، و”أحاديث”. أما قصائده فلم يجمعها ديوان مطبوع. بعضها كان قد نشر في الصحف، وبعضها ظلّ مخطوطاً. وله كتاب بعنوان “جمر وخمر”. وكان يدخن النارجيلة ويستطيب مذاق النبيذ. وكان إلياس أبو شبكة قد ألمح إلى ذلك في “الرسوم” بقوله عن راجي الراعي: “يدخّن النارجيلة ويُضمر لها كلفاً راسخاً فلقد كانت سميرته ولمّا تزل، ويشرب الخمرة الحمراء من غير أن يجد مضضاً في إتباع الكأس بالكأس، ولقد ارتفعت الكلفة بين خمرته ونارجيلته، فلا تخفّ إليه هذه حتى تلحق بها تلك، وقد يكون أطيب أوقاته الوقت الذي يأنس فيه “بالخمر والجمر”.

وكان في مقالاته الأولى في “زحلة الفتاة” ينشر نقداً حاداً للسلطات العثمانية، وأصبح مطلوباً، فهرب خلال مطلع الحرب العالمية الأولى إلى قرية في كسروان متنكراً في زيّ خوري. ولم يرجع إلى زحلة إلا بعدما وضعت الحرب أوزارها سنة 1918، فاستأنف عمله مستنطقاً في محكمة البداية في زحلة، ثم نال ترقية وأصبح قاضياً في الاستئناف. وهو كان قد نشر في “قطرات ندى” مقالة بعنوان “كيف أفهم القاضي” عرض فيها مفهومه لمهنته. ومما جاء فيها: “يجلس إلى القضاء وهو مذعور أمام المسؤولية (…) يدخل إلى مخدع ضميره السرّي، وليس في يده إلا ما قرأ وسمع وحقق”.

وفي سنة 1934 آلت ملكية صحيفة “زحلة الفتاة” بالكامل إلى شكري البخاش. وكان راجي الراعي قد انتقل إلى بيروت مدعياً عاماً في محاكم الاستئناف. وكان قاضياً مرموقاً نال الإعجاب بسبب نزاهته وبلاغته في الكلام. بيد أن قضية بعينها ظلت حديث القضاء حتى يومنا هذا، بالنظر الى الموقف الفريد الذي اتخذه راجي الراعي فيها. عنوانها العريض “قضية مي زيادة”.

كانت الأديبة المعروفة قد بدأت تشعر بمتاعب نفسية بعد وفاة جبران خليل جبران ووالديها، وتأزمت الحال قرب نهاية الثلاثينيات. راسلت أقاربها في لبنان وروت لهم متاعبها. وجاءت لزيارتهم، فانتهزوا فرصة حالتها العصبية وأرادوا السطو على ميراثها من أهلها. اتهموها بالجنون وأودعوها مستشفى الأمراض العصبية فتضاعف سوء حالتها النفسية، بل والصحية أيضاً، حتى قرر الأطباء نقلها إلى مستشفى الجامعة الأميركية. في الأثناء أقاموا دعوى بقصد الحجر على مي زيادة باعتبارها فاقدة الأهلية العقلية. والغريب أن “الحجـر” الذي أُقيم عليها لحرمانها مالها وحريتها، قـد نُفّـذ قبل أن يبتّ القضاء في الدعوى. وبلغت تفاصيل هذه المؤامرة مسامع الأديب أمين الريحاني الذي زارها وتأكد من سلامتها العقلية. وكما كان قد سعى من قبل لنقلها إلى المستشفى ثم لخروجها منه إلى بيت في بيروت، قرر دعمها يؤيده بعض من آل الأيوبي وآل الجزائري وادّعوا أمام المحكمة لوقف تنفيذ الحجر. ولجأ أمين الريحاني إلى القاضي الأديب راجي ورجاه أن يحكّم ضميره ولم يكن بحاجة إلى توصية. وتم الإعلان عن محاضرة لمي زيادة في نادي “العروة الوثقى” في قاعة الوست هول بالجامعة الأميركية يوم 22 مارس 1938 وموضوعها (رسالة الأديب إلى المجتمع العربي)، وكان ذلك دليلاً قاطعاً علـى صـحة قواها العقلة وصفاء ذهنها، وكان القاضي راجي الراعي بين الحضور.

في اليوم التالي شهدت قاعة المحكمة حدثاً مهمّاً. تحوّل النائب العام راجي الراعي من قاضٍ يصرخ بحسب وظيفته “إني أتّهم” إلى قاضٍ استرسل في مطالعة معناها “إني أدافع”! وبدأها بقوله: “إن هــذه القضية المبسوطة أمامكم هــي قضية خطيــرة جــداً تختلــف عــن غيرهــا مــن القــضايا، فهــي لا تــدور حــول ســند يطلــب الحكم بقيمته المعترف بقبضها نقداً وإثبـات الحجـز الملقـى أو صـك بيـع، بـل هـي قضية حجر. والحجرُ هو حجر الدماغ والروح ومـوتٌ أدبـي ويـدٌ هائلـة تـضغط علـى الإنـسان الـذي بلـغ مـن العمـر عتيـّا، فتخلـع عنـه ثـوب الأربعـين أو الخمـسين الــذي ألبسته إياه السنون، وتعيده غلامـاً قاصـراً، وتقـيم لـه وصـيّاً. (…) ويزيـد فـي خطـورة هـذه القـضية أن مَـنْ يطلـب مـنكم الحجـرَ عليـه فتـاة وَثَبَـت بهـا العبقريـة إلـى قمـم الأدب والعلـم والفـن الخالـد ولمـع نجمهـا فـي سـماء العربيـة”.

وبعدما عدّد المدعي العام مزايا مي زيادة الأدبية ومكانتها قال: “كانـت دارهـا فـي وادي النيـل كعبـة الأدبـاء ومحـجّ العظمـاء. تكتـبُ فيُقـال كتَبـتْ مــي، وتتحـدّثُ فترهــف لهـا الأســماع وتنـصت لهــا القلـوب، وتنشر الكتـاب فتتلقّفـه الأيــدي”. واستطرد: “أيهـا القـضاة: بعد أن قرأتُ هذه القضية وما فيها، وبينما أنا أقلّبُ كتب الشرع وأبحث في الحجج وأفتش عن الحقيقة، طلع شهابٌ طاح بكـل شـيء فـي هـذا الملـف، وأعـاد الحـق إلـى نـصابه والحقيقـة إلـى عرشـها”. تكلم عن المحاضرة وكيف تساءل الناس: “أتقــوى مــي علــى إلقــاء محاضــرة؟ هــي إذن تقــرأ وتكتــب فكيــف قــال عنها الأطباء فـي تقـاريرهم إنهـا لا تكتـب ولا تقـرأ؟ وهي إذن ذات أوتـار فكيـف قيـل إن قيثارتها تحطمت؟”.
وذكر أنه هرع إلى المحاضرة “وكلـي شـوق إلـى جـسّ النـبض الـذي تنـبض بـه هـذه القـضية، ورؤيـة الوجـه الـذي قيـل إنـه وجه جنـون، وسماع الكلمة التي قيل إنهـا كلمـةُ مَـنْ اختـلّ شـعوره واضطرب عقلـه وفقـد إرادتـه”. وقال إنها تكلمت عن رسالة الأديب ” وحدثتنا طيلة ساعة كاملـة حـديثاً خلـع عليـه الاتـزان والاتـساق والعقـل والمنطـق والفـن والإبـداع حلـلاً فضفاضة فاخرة. حدثتنا بحديث منسجم مترابط الحلقات تناول الأزمنة الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل”. ووصف إعجاب الجمهور وتصفيقهم الحاد في ختامها وسؤالهم: “أتكـون هـذه الفتــاة مجنونـة وقد جُننّا بهـا، وإذا كانت هــي المجنونة فهل نحن العقلاء؟”.

وانتقل المدّعي العام إلى القانون، وقال: “إن العين في دعاوى الحَجْر هي بيت القصيد. لقد رأيت وسمعت فلذلك أقول لكم ويدي على عقيدتي وضميري إن التـي ألقــت المحاضــرة أســمى مِنْ أن تطالهــا يــدُ القَــصْر، وأكبرُ مــن أن تمــسّها يــدُ الحجــر”. وختم بقوله: “لا تعدموها بسطرين من قلمكم. وهي عاقلـة فـلا تجعلوهـا بحكمكم مجنونة (…) أطلقوا سراحها وردّوها لمريديها الذين لا يُعَدّون، وللعبقرية والأدب”. وفي الأول من يونيو/ حزيران 1938 حكمت المحكمة ببراءة مي زيادة.
في عام 1958 تقاعد راجي الراعي وتفرغ للكتابة والخطابة. وكان آخر خطاب له في مهرجان تأبين شفيق المعلوف في ربيع 1977، وتوفي في خريف العام ذاته.

(العربي الجديد)

مقالات ذات صلة