هل ينقذ “لبن العصفور” استشارات تكليف رئيس الحكومة غداً؟

… هل تكون “الثالثة ثابتة” فتبقى الاستشارات النيابية المُلْزمة لتسمية رئيس الحكومة العتيدة في موعدها غداً؟ وهل تُفْضي، بحال لم تحصل مفاجآتٌ جديدة تَفْرض إرجاءها، إلى التكليف؟ وهل يعود زعيم “تيار المستقبل” سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة؟ وهل تَجاوُز “التكليف الصعب” سيعني أن طريق التأليف ستكون سالكة و”منزوعة الألغام”؟

أسئلة كبرى لفّت المشهد السياسي في لبنان وسط اشتداد “التشبيك” بين رياح التغيير التي أطلقتْها “ثورة 17 أكتوبر” وبين الأزمة الحكومية – السياسية التي بدأت تبرز إشاراتُ تَحوُّلها “جاذبة صواعق” أمنية وطائفية ومذهبية فيما “تتفشى” الأزمةُ المالية – الاقتصادية و”تفتك” بقطاعاتٍ “تستغيث” تحت وطأة “دومينو الانهيار” المتدحْرج.

وعشية “خميس الاستشارات” التي كانت “طارت” الاثنين بتمنٍّ بإرجائها من الحريري بعدما باغَتَه قرارُ حليفه المفترض حزب “القوات اللبنانية” بالامتناع عن تسميته ما جعل تكليفَه “المضمون” ناقصاً على “المقياس” الميثاقي ومشوباً بعيْب عدم تغطيته من فريق مسيحي وازن (باعتبار أن كتلة حزب الرئيس ميشال عون أي “التيار الوطني الحر” لن تسمي الحريري ايضاً)، بدا من الصعب تحديد “اتجاهات الريح” في مآلاتِ يوم التكليف “الشائك” والذي بات يتداخل في جوانبه “الرقمية” والسياسية مع مسار التأليف الأصعب، وكلاهما “يكمن” لهما الشارع المنتفض الذي رسم “خطاً أحمر” أمام استنساخ تجربة الحكومات الماضية (برئاستها وتركيبتها) متمسّكاً بحكومة اختصاصيين مستقلّين تمهّد لانتخاباتٍ نيابية مبكرة.

ومن خلف “الغبار الكثيف” الذي تَطايَرَ في أكثر من اتجاه بعد تأجيل الاستشارات و”انفجار” العلاقة بين كل من الرئيسيْن عون (ومعه التيار الحر) وبين الحريري عبر “حرب بيانات” لم توفّر شظاياها القاسية “القوات اللبنانية”، ترى أوساط سياسية أن ثمة مُسَلَّمات يبقى من الصعب القفز فوقها في مقاربة “الخطوط العريضة” لمسار التكليف وأهمّها:

* تَحَوُّل الشارع في اليومين الماضييْن “مستودع توتر” كبيراً وساحة استقطاب سني – شيعي كان من أخطر تجلياته ليل الاثنين – الثلاثاء “غزوة” وسط بيروت، معقل الانتفاضة الشعبية، من مناصرين لـ “حزب الله” وحركة “أمل” احتجاجاً على فيديو انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي لشابٍ من طرابلس يعيش في اليونان وتضمّن إساءات مشينة بحق رموز دينية لدى الشيعة، الأمر الذي أنْذر بانفلاتٍ كبير في الشارع كانت أولى مقدّماته لاحت ليل الأحد مع بروز مناخاتِ تحريض مذهبي بدا وكأنها “أُسقطت” على الجسور العابرة للطوائف والمذاهب والمناطق التي طبعت الثورة منذ انطلاقتها.

وتبعاً لذلك، تعتبر الأوساط أن هذا المعطى الجديد، الذي لم تُسْقِط من الحساب أن يكون من ضمن محاولاتٍ لدفْع عملية التكليف والتأليف وفق شروط الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل) – فريق رئيس الجمهورية لقيام حكومة تكنو – سياسية، باتت تجعل من أي تفكيرٍ في خيارات “أمر واقع” بديلة عن الحريري في الاستشارات أمراً يرقى إلى مستوى “صب الزيت على النار” في ظلّ “تسخين الأرض” المريب وبعدما كانت دارالفتوى كرّست الحريري “المرشح الوحيد للطائفة الاسلامية”، ناهيك عن أن “إيقاظ” الاضطرابات المذهبية يُعْطي الثنائي الشيعي المتمسك أصلاً بزعيم “المستقبل” مبررات أكبر للثبات على هذا الخيار الذي افترق عنه حليفه “التيار الحر”.

* أن أي “أخْذٍ وردّ” بين الحريري والآخَرين حيال شروطه للتأليف (يصر على حكومة تكنوقراط) والتي دخلتْ على خط تعقيدات التكليف، لا يشمل التراجُع عن رفْضِ عودةِ رئيس “التيار الحر” الوزير جبران باسيل ولو إلى حكومةٍ تكنو – سياسية (سواء ترأسها هو أو مَن ينوب عنه) يقتصر الحضور السياسي فيها على وزراء “لايت” (من الصف الثاني أو الثالث)، وهو الشرط الذي دَفَع باسيل إلى رفْع السقف تحت عنوان أن عدم وجوده في الحكومة يعني عدم مشاركة “الوطني الحر”، رافضاً أن يكون جزءاً من أي حكومة برئاسة الحريري ومطالباً بتشكيلة اختصاصيين “من رأسها حتى وزرائها” تعيّنهم الأحزاب.

وفي الوقت الذي لم تكن صدرتْ أي إشارات من “بيت الوسط” (دارة الحريري) أمس من شأنها الإيحاء بما قد ترسو عليه خياراته في ملاقاة الاستشارات يوم غد رغم تسريبات عن أنّ لا مرشّح لرئاسة الحكومة حتى الساعة غير الحريري، رأت أوساطٌ واسعة الإطلاع أن مروحة الخيارات أمام زعيم “المستقبل” تضاءلت بعدما حاصره “الفيتو” المسيحي ورُميت في وجهه الـ “لَعَم” من “حزب الله” الذي يؤيّد عودته من دون تسميته.

وفي تقدير هذه الأوساط أن الحريري أمام 5 خيارات:

* بحال أصرّ على ان تكون تسميته مكتملة النصاب ميثاقياً، محاولة كسْرالاصطفاف المسيحي بعقد تفاهُم يرْقى حتى الساعة الى الاستحالة مع أحد طرفيْ الثنائي، “الوطني الحر” أو “القوات”.

* تسمية زعيم “المستقبل” شخصية بديلاً منه وتحظى بتوافق بين اللاعبين الرئيسيين كالقاضييْن الوزير خالد قباني ونواف سلام.

* معاودة تفعيل حكومة تصريف الأعمال بالحدود المسموح بها قانوناً على النحو الذي يضمن بقاءه في السلطة إلى حين تَبَدُّل الوقائع السياسية.

* أن يقبل بحصيلة نحو 59 نائباً التي سيحصل عليها في الاستشارات (من دون أصوات “القوات اللبنانية الـ 15) من أصل 128 نائباً، وبينها نحو 18 نائباً مسيحياً، وأن يندفع نحو تقديم تشكيلة اختصاصيين كاملة يقدمّها خلال اسبوع فتيحمّل رئيس الجمهورية مسؤولية رفْضها وتالياً يكون الحريري رمى الكرة في ملعب الآخرين. علماً أن بعض الأوساط لا تُخْفي الخشية من احتمالِ وجود مفاجآتٍ قد تكمن للحريري وتمنع ترجمة تسميته تحت عنوان “التكليف الهزيل”.

* أن يقدّم الحريري قبل الخميس مرونة في ما خص حكومة تكنو – سياسية وفق مخرج “لبن العصفور” الذي كان اقترحه رئيس البرلمان نبيه بري سابقاً والقائم على حكومة من 24 وزيراً بينهم 4 سياسيين وزراء دولة “لايت”.

وكان لافتاً في غمرة هذه السنياريوات خطوتان قام بهما زعيم “المستقبل” أمس:

* الأولى زيارته الرئيس بري لنحو ساعتين تخللتهما مأدبة غداء، في لقاءٍ هو الأول بينهما منذ استقالة الحريري (29 نوفمبر).
ولفت في البيان الذي صدر بعد الاجتماع أنه تضمّن شقين، أوّلهما تطرق ضمناً إلى أحداث وسط بيروت ليل الاثنين – الثلثاء حيث أكد “الرئيسان وجوب تحلّي كل اللبنانيين في هذه المرحلة بالوعي وعدم الانجرار نحو الفتنة التي يدأب البعض العمل جاهداً نحو جرّ البلاد للوقوع في أتونها، والتي لا يمكن ان تُواجَه الاّ بالحفاظ على السلم الاهلي والوحدة الوطنية (…)”.

والثاني الشأن الحكومي إذ شدد “على أن الحاجة الوطنية باتت أكثر من ملحّة للإسراع بتشكيل الحكومة وضرورة مقاربة هذا الاستحقاق بأجواء هادئة بعيداً عن التشنج السياسي، أجواء تتقدم فيها مصلحة الوطن على ما عداها من مصالح”.

وكان بارزاً ما نُقل عن مصادر بري بعد اللقاء من أنه “حاول مجدداً إقناع الحريري بالتخفيف من شروطه إذا كان فعلاً راغباً في العودة الى السرايا أو على الأقل تسمية أحد من قبله لترؤس الحكومة والتنازل كما الجميع لمصلحة البلد”، مضيفة (كما نقلت وكالة الأنباء المركزية) أن بري “استطلع رأي الحريري بإمكان ترْك الخيار له بتسمية مجمل الوزراء المستقلين والاختصاصيين الذين يفترض توزيرهم، مقابل موافقته على ان تضم الحكومة العتيدة 4 وزراء سياسيين يمثّلون الكتل النيابية الكبيرة من الوجوه والأسماء غير المستفزة، وانه بحال الموافقة يعمل بري على تسويق الأمر مع الجهات المعنية وخصوصاً رئاسة الجمهورية لا سيما اذا تطلب ذلك دفْع الاستشارات إلى الأمام، وإرجائها أياماً”.

* والتطوّر الثاني اتصال الحريري برئيس “تيار المردة” النائب السابق سليمان فرنجية حيث عرض معه للصعوبات التي تعترض الاستشارات النيابية.

وأوضح الحريري خلال الاتصال “أن كلامه بالأمس عن غياب الكتل المسيحية الوازنة عن تسمية الرئيس المكلف لم يُقصد منه أبداً أي إنقاص من احترامه الكامل لتمثيل كتلة “المردة” أو أي من النواب المنضوين في كتل أخرى أو النواب المسيحيين المستقلين”، مؤكداً شكره “لكل النواب الذين كانوا في صدد التسمية واعتباره كل الأصوات وازنة في المسار الدستوري الضامن لنظامنا الديمقراطي الفريد”.

(الراي)

مقالات ذات صلة