كي لا نبقى متفوّقين في الفساد/ العميد منير عقيقي

الفورة العامة التي اصابت الجسد اللبناني توحي بأن الشعب كان في غيبوبة واستفاق ليفاجأ بواقع البلد

سنة تلو اخرى، والفساد يستحكم اكثر فاكثر في النظام السياسي اللبناني. لكن الجديد في هذا الملف المزمن، هو التقاطع العلني حاليا بين مختلف المكونات على محاربته، حتى بات الحديث عنه اشبه بـ”موجة” اخذت الجميع. كما ان الحديث عن محاربة ظاهرة الفساد حلت اولا في الشأن العام، وصارت مثار تندر في مجالس اللبنانيين ومنتدياتهم.

يحار المرء من اين يقارب ظاهرة الفساد. فهو كداء عضال ليس جديدا على الاطلاق. بل هو قديم قدم وجود المجتمعات الانسانية وتعبيراتها السياسية من نظم وأُطر. هذه الظاهرة لا تقتصر على نظام بعينه او على شعب محدد بهويته، الا انها تختلف من بيئة الى اخرى، وبين نظام وآخر. هذا التفاوت هو ما ينبغي الوقوف عنده وتعيين اسبابه. ذلك انه معيار وعي الشعوب والذي يتجلى بالنظم السياسية والطبقات الحاكمة التي يرتضونها لأنفسهم. هذا هو الاهم في مقاربة الفساد اللبناني الذي صار بنيويا ويستحكم بالنظام.

الاستفاقة المتأخرة على ما آل اليه الواقع اللبناني تبعث على الغرابة. الفورة العامة التي اصابت الجسد اللبناني، توحي كأن اللبنانيين كانوا إما مهاجرين وعادوا ليكتشفوا التردي الحاصل، او انهم كانوا في غيبوبة واستعادوا وعيهم ليفاجأوا بواقع البلد. مع العلم ان لبنان ـ بحسب مؤشر مدركات الفساد الصادر عن “منظمة الشفافية الدولية” ـ وعلى مدى خمس سنوات استقرت علامته عند 28/100، من دون أن يُسجل اي تقدم على هذا الصعيد، وليكون الثاني عربيا بعد الصومال التي احتلت المرتبة الاخيرة عربيا وعالميا بنتيجة 9/100. يقيس هذا المؤشر مدى ادراك المجتمع للفساد في القطاع العام، مانحا نتيجة من صفر الى 100 نقطة. كلما اقتربت الدولة من نتيجة صفر عكس ذلك ارتفاعا في مستوى الفساد لديها والعكس صحيح.

“الصمود والتفوق اللبنانيان” على مؤشرات الفساد يبعثان على القلق، ويستدعيان وعيا جديا وصادقا بخطورة ما نحن عليه، ووجوب وضع آليات جادة وفاعلة وسريعة للصعود من القعر الذي بلغناه، والا فإن النهاية اسوأ مما يمكن للخيال توقعه. ويزداد عامل القلق من الفساد ومن الفشل في مكافحته، ضعف ثقة اللبنانيين بالشعارات المرفوعة والخطب الرنانة التي تطلق من كل حدب وصوب، من دون وضع آلية واضحة قادرة على ان تطاول الجميع.

من المؤكد ان الفساد لا يحارب بالخطب التهويلية والحملات الدعائية، التي وياللأسف دخل الكثير منها الى سوق الانقسامات الطائفية والمذهبية والحزبية، بدلا من ان يتوجه الجميع الى القضاء صاحب الكلمة الفصل. ما يجب ان يكون واضحا ومفهوما بدقة، ومن جانب الجميع، ان ادانة هذا الشخص او ذاك في القانون والاحكام لا تعني على الاطلاق ادانة حزب او طائفة او جماعة. الفاسد وحده من يتحمل المسؤولية من ألفها حتى يائها. محاربة الفساد تستلزم إلى تعزيز القضاء واستقلاليته واقرار القوانين الاصلاحية العصرية، الجرأة على توجيه اصبع الاتهام في الوجهة الصحيحة ووفقا لأدلة وقرائن وليس وفقا لاتهامات اعتباطية هدفها التشهير والنيل من الآخر.

كي لا نبقى على تفوقنا في الفساد، اخطر ما يمكن ان يواجه عزيمة محاربة الفساد هو تطييف ومذهبة هذه الحرب الوجودية. الحرب على الفساد ضرورة ينبغي على اللبنانيين خوضها لصون وجودهم ودولتهم. كل تأخر، او تلكؤ، عن القيام بمثل هذه المهمة لا يعني الا ارتفاع معدل الخطر الذي يحيق بالبلد واهله. ذلك انه في حال السقوط لن ينجو احد، ايا كانت هويته او موقعه. فالهيكل عندما يسقط سيسقط على الجميع، والركام لن يميز بين هذا وذاك.

 

(مجلة الأمن العام عدد أيار)

مقالات ذات صلة