“حزب الله” بين الخطأ والصواب/ رفعت إبراهيم البدوي

مع بداية انطلاق ظاهرة الاحتجاجات الشعبية على استشراء الفساد في لبنان أصيبت مختلف الأحزاب والتيارات السياسية التي تقاسمت السلطة لعقود من الزمن، بحالة من الإرباك في تحديد البوصلة المؤدية إلى معالجة واقع جديد أفرز رأياً عاماً مستجداً خصوصاً أن المكون الجديد جاء من خارج عباءة الأحزاب والتيارات السياسية التقليدية.

مع الإرباك الذي ضرب الأحزاب والتيارات المشاركة في السلطة، بدا واضحاً توجه الأنظار نحو حزب اللـه تحديداً، خصوصاً بعد خطاب الأمين العام للحزب في ظهوره الأول معلناً عن تأييده المطالبة بمكافحة الفساد الذي أنهك المواطن وهدد الدولة بالإفلاس.

ومع الخطاب الثاني تساءل السيد حسن نصر اللـه عن الأهداف الحقيقية والجهات الممولة للحراك بعد الدعوة لإعطاء فرصة لتنفيذ بنود الورقة الإصلاحية التي أقرت بمجلس الوزراء معتبراً إياها بالإنجاز غير المسبوق خصوصاً أن الورقة الإصلاحية تضمنت ميزانية 2020 مع صفر عجز.

ومع التساؤل المشروع جاءت دعوة الأمين العام مناصري حزب اللـه للانسحاب من الساحات احتجاجاً على تعرض بعض المقامات والرموز ولاسيما شخص نصر اللـه للافتراءات والشتم من بعض المندسين الأمر الذي جعل من الحراك موضع شك وشبهة خصوصاً من البيئة الحاضنة لحزب الله.

لكن خطأ البيئة الحاضنة لحزب اللـه أنها تعمدت إطلاق هتافات مذهبية إضافة إلى شمولية تهمة العمالة لمصلحة أجندات خارجية على مجمل الحراك الشعبي الحاصل، وهذا الخطأ ناتج عن احتقان البيئة الحاضنة إضافة إلى حالة الإرباك التي أصابت الحزب في تحديد هوية الحراك.

ومع الإقرار بأن حزب اللـه كان ولم يزل مستهدفاً من بعض التيارات والأحزاب المناوئة في الداخل اللبناني إضافة لبروز جهد واضح من أجهزة مخابرات أميركية خليجية إسرائيلية هدفت للاستفادة من الحراك وتحويل قسم منه لمصلحة أجندات تصب في خانة النيل من الحزب وبيئته الحاضنة، لكن أحداً لا يستطيع نكران تكون رأي عام جديد نظيف من أي تلوث مخابراتي ومن أي عمالة لأن هدفه الوحيد المعلن هو وقف الفساد المستشري ومكافحة سياسات مالية اتبعت منذ العام 1992 ولم تزل مستمرة أودت بمقدرات لبنان في دهاليز وحسابات المسؤولين على مرأى ومعرفة حزب اللـه الذي فضل العمل تحت راية الحفاظ على السلم الأهلي تجنباً لأي فتنة مذهبية أو طائفية وعدم استفزاز أي من المكونات اللبنانية وتأمين الحد الأدنى من الوحدة الوطنية، بيد أنه يؤخذ على حزب اللـه خطأ خضوعه للابتزاز السياسي القائم على قاعدة لكم سلاحكم ولنا الصفقات والتلزيمات المشبوهة وممارسة الفساد على أوسع نطاق وذلك منذ دخول الحزب معترك الحكومات المتعاقبة بدءا من العام 2005.

ولأن حزب اللـه كان شاهداً في مجلس الوزراء على فساد بعض الوزراء وعلى مجمل الصفقات المشبوهة اتهم الحزب زوراً أنه صار حامياً للفساد، لكن حقيقة الأمر أن حزب اللـه ونظراً لتركيبة لبنان الطائفية وتجنباً لإثارة النعرات المذهبية تعمد غض الطرف عن بعض الممارسات على حساب سمعته النقية وذلك حرصاً على التوافق الداخلي.

ومع انقضاء فترة 50 يوماً على زخم الاحتجاجات أسمح لنفسي بالقول إن الاحتجاجات أو الرأي العام الجديد الذي تشكل في لبنان لم يحقق أي شيء ملموس ولم يرق إلى مستوى الثورة أو الانتفاضة، وبنظري أن السبب في عدم تحقيق المبتغى من الاحتجاجات عائد إلى غياب وجود قياده موحدة ظاهرة تتبنى مطالب واضحة ومحددة وهذا ما يدعونا إلى التبصر جيداً في صوابية الحزب التوجس والحذر من الحراك الدائر في لبنان.

وإذا ما انتبهنا إلى أمور ثلاثة تزامنت مع الحراك الحاصل، اكتشفنا مدى صوابية توجس الحزب.

1- شهادة السفير الأميركي السابق في لبنان جيفري فيلتمان الذي هدد الشعب اللبناني بالتجويع إذا شارك حزب اللـه في أي حكومة، وبين النعيم الأميركي المزيف إذا خرج حزب اللـه من الحكومة.

2- تصريحات وزير الخارجية الأميركية مايك بامبيو في أكثر من مناسبة داعياً ومحرضاً اللبنانيين بكل صفاقة وصلف إلى مناهضة حزب اللـه وإخراجه من لبنان.

3- مداخلة مستشار الرئيس الحريري للشؤون العسكرية مارون حتى في منتدى البحرين الذي أفصح عن طلب أميركي بتجهيز الجيش اللبناني للدخول بمواجهة عسكرية ضد حزب اللـه ما يعني دفع لبنان للدخول بمرحلة من الفوضى والفتنة والاقتتال الداخلي.

هنا لا بد لنا من التوقف عند صوابية رؤية حزب اللـه في تأييده للمطالب الشعبية عن بعد من دون مشاركة جماهير الحزب في الساحات تجنباً لأي احتكاكات بين الجماهير قد تخرج عن إطار التحكم وهنا مكمن الخطر الذي دأب الحزب على تجنبه وبأي ثمن.

عرف عن حزب اللـه دقته في قراءة المشهد الإقليمي وإتباع سياسة متينة ومرنة في آن مستنداً بذلك إلى دراسة صلبة وصائبة ما أكسب الحزب فائضاً من القوة السياسية والعسكرية جعل من الحزب قوة إقليمية فاعلة في رسم مستقبل المنطقة.

لكن خطأ الحزب الذي يحتمل الصواب في الداخل اللبناني أنه اتبع سياسة قائمة على ضرورة تجنب أي صدام داخلي والمحافظة على السلم الأهلي وإن كان ذلك الهدف يحمي منظومة الفساد المحلية والإقليمية على حساب سمعة وسيرة الحزب المشرفة.

العقدة الملازمة لحزب اللـه الوقوع في الفتنة السنية الشيعية لأنها عقدة كأداء تعرض الحزب إلى خسارة شرعيته الإقليمية، ولنعترف بأن هذه العقدة إذا ما بقيت مسيطرة على الحزب فإنها ستشكل عائقاً أمام إنقاذ لبنان من براثن مافيا الفساد المحسوبة على جهة أو تيار سياسي بعينه، والدليل الرغبة الجامحة لدى حزب اللـه بالتمسك برموز منظومة الفساد والمصارف التي أمعنت بالسرقات ونهب مال الدولة اللبنانية منذ العام 1992 وحتى يومنا وهذا ما يحسب على الحزب في خانة الخطأ.

الآن وبعد مرور أكثر من 50 يوماً على الحراك الشعبي لكنه لم يستطع الارتقاء إلى مستوى ثورة أو انتفاضه شعبية نتيجة عدم ظهور قيادة واحدة في ظل غياب تحديد المطالب للحراك وتحول لبنان إلى دولة تتسول المعونات طالبة مساعدة دول خليجية وأوربية لانتشالها من الغرق المحتم نستطيع القول إن شيئاً ملموساً لم يتحقق في شأن مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين وبناء الدولة العادلة.

لقد ثبت أن أغلبية اللبنانيين تولي حزب اللـه ثقة لا حدود لها في مكافحة الفساد خصوصاً بعدما أقدم الحزب على تقديم أكثر من 80 بالمئة من ملفات الفساد للقضاء مدعومة بالأدلة والوثائق المثبتة، وهذه الثقة مبنية ومستمدة من سيرة الحزب النقية بتقديم الشهداء الأبرار والدماء الزكية دفاعاً عن لبنان كل لبنان وعن ثروات لبنان وكرامة كل اللبنانيين وبناء عليه نقول:

بات لزاماً على حزب اللـه بأخطائه وصوابية خياراته تسييل جزء من فائض قوته المكتسبة في الداخل اللبناني وتجييرها لمصلحة حلفاء الحزب الخلّص وإيلائهم الدعم السياسي اللازم وإشراكهم في القرار السياسي لوقف انهيار الوطن ومنع منظومة الفساد من الإيغال بسياسة ابتزاز الحزب والتصدي لكل محاولات إثارة الفتن المتنقلة الهادفة للنيل من المقاومة التي أعلنت بدورها الحرب على الفساد واضعة تلك الحرب بمساواة الحرب على العدو الإسرائيلي.

 (الوطن) 

مقالات ذات صلة