مخالفة الدستور ولَّدت أزمة تكليف وتأليف وهدر للوقت/ اميل خوري

لو أنّ السلطة اعتمدت آلية التكليف والتأليف كما حدّدها الدستور، لما كان لبنان يواجه أزمة وزاريّة، وضاع الوقت الثمين على حلحلة عقدها بأنّ ترشّح هذه الجهة “فلاناً” لتأليف الحكومة، وجهة أخرى “علتاناً”، وكأنّ لا دستور ولا نوّاب يقولون رأيهم في التكليف والتأليف، ولا خروج من هذه الأزمة إلّا بالعودة إلى أحكام الدستور التي جعلت التكليف والتأليف يمرّ بأربع مراحل كما عدَّها وفصَّلها الدكتور خالد قباني الوزير سابقاً ورئيس مجلس الخدمة المدنيّة سابقاً، في دراسة تقع في تسع صفحات فولسكاب، وهي مراحل “تتكامل وتترابط بين بعضها البعض ولا يمكن تجزئتها لتلعب كل سلطة من السلطات الدستوريّة دورها الكامل وفقاً لأحكام الدستور ومبادئ النظام البرلماني الديموقراطي، وفي مناخ من التعاون والاحترام المتبادل تحقيقاً للخير العام والالتزام المُطلق بالمصلحة العامة. أمّا آليّة تشكيل الحكومة فتبدأ بالاستشارات النيابيّة المُلزمة وتنتهي بثقة مجلس النوّاب”.

 

إنّ المرحلة الأولى لآليّة التكليف تبدأ باستشارات نيابيّة يجريها رئيس الجمهوريّة، ويُبدي كل نائب رأيه في مَنْ يُسمّي الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة بارادة الأكثريّة النيابيّة. وتبدأ المرحلة الثانية بتواصل الرئيس المكلّف مع الكتل والاستماع إلى آرائها ومطالبها والعمل على التوفيق بين مطالب الكتل المختلفة، وعلى تذليل الصعوبات من دون أن يكون مقيّداً بتفاصيلها، لأنّ الدستور ناط بالرئيس المكلّف أمر تشكيل الحكومة بالاتفاق مع رئيس الجمهوريّة، كونه المسؤول عن أعمالها أمام مجلس النوّاب. إلّا أن الدستور لم يحدّد مهلة للرئيس المكلّف تشكيل الحكومة كل يبقى مُتحرّراً كي عامل الوقت ومن الضغوط.

أمّا المرحلة الثالثة من تشكيل الحكومة، فهي أن يتمّ ذلك بالاتفاق مع رئيس الجمهوريّة ضماناً لنجاحها في تحقيق المصلحة الوطنيّة. وأمّا المرحلة الرابعة والأخيرة فهي مرحلة منح مجلس النوّاب الثقة للحكومة أو حجبها عنها.

ويطرح الدكتور قباني في دراسته السؤال الكبير وهو: ماذا لو لم يتم التوافق بين رئيس الجمهوريّة والرئيس المكلّف على تشكيل الحكومة؟ ويقول: “ليس من السهل الإجابة عن هذا السؤال، فهو منوط بإرادة كل منهما. فإمّا يستمر رئيس الحكومة في مهمّته بالاتفاق مع رئيس الجمهوريّة وموافقته على إصدار مرسوم تشكيل الحكومة وفقاً للصيغة المقترحة، باعتبار أنّ الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة يتحمّل مسؤوليّة تشكيلها أمام مجلس النوّاب، ويعود إلى المجلس في نهاية الأمر إعطاء الثقة، وفي حال رفضها يعود إلى رئيس الجمهوريّة إجراء استشارات نيابيّة جديدة تنتهي بتسمية رئيس الحكومة المكُلّف لنفسه أو تكليف رئيس جديد وفقاً لما تسفر عنه الاستشارات، أو يوضع حدّ للصراع السياسي بالاستفادة من الطاقات الشابة، وذلك باتفاق رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف على تشكيل حكومة من خارج مجلس النواب وفقاً للمادة 28 من الدستور، لتنصرف هذه الحكومة إلى حل المشاكل الاقتصاديّة والمالية والاجتماعية، وتوفير الأمن والأمان وكرامة العيش للبنانيين”.

لذلك ترى أوساط سياسيّة أنّ على رئيس الجمهوريّة المؤتمن على الدستور أن يعتمد آلية التكليف والتأليف كما وردت في الدستور للخروج من أزمة ابتداع آلية من خارجه، وذلك بجعل التكليف يتمّ قبل الاستشارات النيابية المُلزمة والتأليف يتمّ قبل التكليف. فإذا لم تحترم السلطة الدستور فإنّها تكون ارتكبت خطيئة عُظمى بحق الوطن والمواطن.

(النهار)

مقالات ذات صلة