رشيد كرامي… الرجل الأبيض في الزمن الأسود صمام أمان لا يتكرر/ طلال شتوي

مؤتمر ''لوزان" كوميديا لبنانية بين "أوزان" من عيار شمعون وفرنجية وكرامي أذهلت الراعيين السوري والسعودي

رشيد كرامي… الرجل الأبيض في الزمن الأسود، كما أتذكره، عشية الذكرى الثانية والثلاثين لأغتياله، في كتابي “بعدك على بالي”:

عاد رشيد كرامي من لوزان رئيسا لحكومة الأتحاد الوطني!

نجح المؤتمر في تكريس الألغاء الرسمي لأتفاقية 17 أيار، وفشل في كلّ الملّفات الداخلية التي تناولت الأصلاحات السياسية والدستورية.

ودائما، في مثل هذه الأزمات، يبحث لبنان عن صمّام أمان لا يتكرر، اسمه رشيد كرامي…

كان كرامي، بعد 33 سنة من ممارسة السياسة ترّأس خلالها 9 حكومات، رجل الحوار والوفاق الأول في لبنان، وداعية سلام ينبذ العنف والأقتتال المجاني خارج ساحة المعركة مع اسرائيل.

كان موضع ثقة لدى يسار لا ينتمي اليه، وموضع احترام لدى يمين يخاصمه.

كان رجل العروبة والقضايا القومية في الساحة اللبنانية، ورجل الوطنية اللبنانية الصافية في المحافل العربية.

كان أول سياسي ليبرالي “تقليدي” ينادي بالأصلاح الشامل وصولا الى الغاء الطائفية السياسية، ويدعو الى بناء دولة القانون والمؤسسات…ويطرح الأستقامة نهجا في العمل السياسي!

ذهبت اليه في منزله في طرابلس “قلقا”!

لم يكن سهلا عليّ أن أحاور رشيد كرامي وأنا المسحور به منذ زمن.

كنت صغيرا حين سمعت برجل يدعى “دولتو”. ومثل كلّ طرابلسي، أحببت “دولتو” لأن أبي يحبّه.

كثير من الوقار وكثير من الهيبة.

كثير من التواضع وكثير من الظرف.

ذلك هو مجلس “الأفندي”، في طرابلس شتاء وفي بقاعصفرين صيفا، وأبو عبد الحميد الذي لم يتزوج ولم ينجب، يأنس الى وفود تحلّقت حوله، ويحرص على الأصغاء لكل الهموم والشجون، ولا يبخل في الدقائق الأخيرة ببعض طرافة، هو الطريف اذا أراد، ولكن بأحتشام.

وأبدا، لا يغادر رشيد كرامي، قبل أن يبشّر الناس ويدعوهم الى التفاؤل، حتى صار تفاؤله قضية والتزاما لا يحيد عنه.

أذكر أنه بادرني قبل أن نبدأ: “كيف الوضع؟”!

كان عمري 21 سنة! لم أستطع أن أحبس ضحكتي وأنا أجيبه: دولة الرئيس، أتيت خصيصا لكي أسألك “كيف الوضع؟”!

وحضرت نكتة الأفندي بسرعة مع شبه قهقهة: عظيم، علينا أن نبحث معا عن “شي واحد” يخبرنا “كيف الوضع”…

أدّعي اليوم، أن الحوار الذي أجريته مع رشيد كرامي مطلع نيسان عام 1984، وقبل أيام من تكليفه بتشكيل حكومته العاشرة والأخيرة، هو أهم حوار لي و…له!

خلافا لكل ما كان يتردد في الصحف والصالونات السياسية، لم يكن رشيد كرامي متشائما من الصدام الذي حصل في لوزان بين رؤى اللبنايين في كيفية تطوير نظامهم السياسي. قال لي: لبنان يختلف عن باقي الأوطان. التغيير بالقوة لا ينفع، ولا سبيل لنا سوى الحوار والنقاش حتى ينجح أحدنا بأقناع الآخر. يصحّ على لبنان ما يصحّ على الزواج: لا يكون بالأكراه! ولا بد من المودة والتفاهم و ارضاء العقل والقلب.

من طرائف لوزان، أن الرئيس سليمان فرنجية “انقلب” على حلفائه وانحاز الى مارونيته، عندما جرى طرح مقترحات لتعديل صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني!

يومها القى فرنجية قنبلة: لنتبادل! فليأخذ المسلمون رئاسة الجمهورية بصلاحيات ناقصة، ولتكن رئاسة الحكومة بصلاحيات موّسعة للمسيحيين!

كان فرنجية يريد القول أن التعديلات المقترحة تجعل رئيس الحكومة أقوى من رئيس الجمهورية!

وخيّم الصمت لحظات قبل أن يخرقه صوت رشيد كرامي الهادىء: موافقون!

عندئذ انتفض كميل شمعون صارخا: نحن لسنا موافقين!

وتحوّل المؤتمر الى “كوميديا” لبنانية بين “أوزان” من عيار شمعون وفرنجية وكرامي. وقيل يومها أن الراعيين السوري والسعودي، عبد الحليم خدّام وسعود الفيصل، أصيبا بالدهشة، واكتشفا أن عليهما أن يتعلّما الكثير بعد عن هؤلاء الساسة اللبنانيين الذين يلعبون الشطرنج والبلياردو في اللحظة نفسها، ويناورون بحنكة، ويتشاجرون بشراسة… ثم يخرجون من القاعة مبتسمين الى عشاءات الود والصداقة!

لأول مرّة، في ذلك الحوار، ردّ رشيد كرامي على التهمة الظالمة التي ألصقها به اللبنانيون، عندما اعتبروا أنه من المتسبّبين بالحرب الأهلية، بسبب رفضه انزال الجيش عام 1976!

الغريب أن معظم من روّجوا لهذه الفكرة بأعتبارها “حقيقة” خارج النقاش، أنشأوا ميليشيات وارتكبوا جرائم حرب…في حين اختار رشيد كرامي أن يبقى “الأعزل” الوحيد تقريبا في الجمهورية التي صارت غابة مسلّحة!

كان يردد دائما: نحن عائلة لا “تحمل” دما ولا تفرّط بدم أحد، والدم الوحيد الذي يمكن أن نتنازل عنه هو دمنا!

قال لي، آسفا غير شامت: لا أعرف لماذا لا يتذكّر اللبنانيون أن فؤاد شهاب رفض الأمتثال لأوامر رئيس الجمهورية كميل شمعون عام 1958 بأنزال الجيش الى “البسطة”!

قائد الجيش قال يومها لرئيس البلاد أن الجيش لديه أهل في البسطة والجميّزة، وأنه لن يرسل الجيش الى مهمة سيرجع منها “جيشين”! وأنا (تابع كرامي) رفضت انزال الجيش عندما كنت رئيس حكومة خوفا عليه من الأنقسام الى “جيوش”! اليوم، أنزلوا الجيش منذ شهور، وانقسم الجيش…التاريخ هو من ينصف أو يحاسب!!

سألته عن مدى صحة ما قيل عن لقاءات سرّية بينه وبين كميل شمعون، على هامش جلسات لوزان!

لم ينكر ولم يؤكّد!

اكتفى بالقول: لا كواليس عندي. ما قلته في الجلسات العلنية لشمعون وللآخرين هو ما سأقوله في أي مكان آخر!

صارحتهم بأن نظام الأمتيازات الطائفية قد سقط، وأن دولة توزيع الجبنة على أمراء الطوائف لن تستمر. وأن الشعب اللبناني يطمح الى دولة حديثة تقوم على أسس العدالة الأجتماعية والمساواة والحريات والديمقراطية. هم يعرفون ذلك، ولكنهم يماطلون…وكأنهم يراهنون على “معجزة” تعيد الزمن الى الوراء، وعمليا الزمن ماض الى الأمام، سواء التحقنا به في الوقت المناسب أو فاتنا القطار!

وانتقد كرامي، برصانة، حزب الكتائب، موّجها الكلام الى مؤسّسه الشيخ بيار الجميّل: يؤسفني أن أقول للشيخ بيار أن حساباته خلال المحنة اللبنانية كانت كلّها خاطئة!

طالب بالسوريين وراهن عليهم وانقلب عليهم.

راهن على العدو الأسرائيلي وانتهينا الى احتلال بغيض.

واليوم يراهن على أميركا وها هي تستعد لتركه وحيدا في المواجهة!

الرهان الوحيد الذي لم يجرّبه الشيخ بيار بعد، هو الرهان على أنفسنا! أنا أدعوه الى ذلك وأراهن أنه الخيار الوحيد لنا جميعا، والشيخ بيار سيلتحق به ، عاجلا أو آجلا!

نقلت للأفندي تهمة “خبيثة” بأنه من هواة الحكومات المريحة، وبأنه صيّاد بحر يرمي صنّارته وينتظر، في حين أن المطلوب صيّاد بر يصوّب على الطريدة…التي هي رئاسة الحكومة!

وأعترف أن السؤال كان مبنيا على كلام سمعته في دارة زعيم بيروتي!

انفعل رشيد كرامي يومها، وأخبرني بنبرة غضب وعتب، أنه لم يعرف في الحكم سوى الشوك، وأن رئاسة الحكومة لم تكن تأتي اليه الا في الأزمات الكبرى، بدءا بمتاعب وتداعيات سياسة الأحلاف عام 1955، فثورة 1958 وذيولها، مرورا بكارثة بنك انترا، وصولا الى الحرب الأهلية القذرة عام 1975!

وأنهى المقابلة ضاحكا: اذا كنت من هواة صيد السمك، فأن الحكم لم يمنحني سوى الحسك!

اعتبر وليد عوض أن رشيد كرامي تطرّق في هذا الحوار الى أمور لم يسبق له أن حكى فيها في الصحافة بمثل هذا الوضوح. واختار للغلاف صورة التقطها حسن أبو ريا، قبل بدء الحوار، ويحمل فيها كرامي لوحة تمثّل نمرا، أهداها له سفير كوريا الشمالية.

كان “الأفندي” قد أوقف كاميرا حسن عن العمل بعد اول سؤال في المقابلة، حين قال لي: أتريد أن نحكي أو نتصوّر؟!

ولم يكن أمامي سوى أن أنظر الى حسن الذي سارع الى الأنسحاب من الصالون.

بعد 3 سنوات على هذا اللقاء، اغتيل رشيد كرامي بعبوة ناسفة مزروعة في مقعده داخل الطوّافة التي يستعملها للأنتقال بين طرابلس وبيروت.

مات وحده ونجت الطوافة بمن فيها بفضل بطولة قائدها! وربما لأن رشيد كرامي قد قطع عهدا بأنه لن يحمل دم أحد، لا في الدنيا ولا في الآخرة!

علّق العميد ريمون اده يومها: كان يجب ألا يموت رشيد كرامي نتيجة أي مرض! كان على حق بأختياره نهاية خاصة في أعالي السماء…

مقالات ذات صلة