“البعث”: تمسك الأداء السلطوي بخطابه أفلت الحراك من مصداقيته باتجاه “الفوضى الملونة”

أصدرت القيادة القطرية لـ”حزب البعث العربي الإشتراكي في لبنان” وأمينها القطري الوزير عاصم قانصوه بياناً مسهباً سلط الضوء على مجمل التطورات اللبنانية وخلفياتها وأبعادها بالاستناد إلى ما تشهده كافة المقرات السياسية، بعد ما آلت إليه “التسوية الرئاسية”، إضافة إلى طريقة تعاطي “الأداء السلطوي” مع الأحداث على الأر.

وتضمّن البيان: “لطالما حذرت ونبهت القيادة القطرية لحزب البعث العربي الإشتراكي في لبنان وأمينها القطري النائب السابق عاصم قانصوه السلطة السياسية في لبنان بكافة مستوياتها من العواقب الوخيمة لأدائها القائم على نهج الاستئثار والإلغاء والتنازع على الصلاحيات وتقاسم النفوذ وشد العصبيات الطائفية والمذهبية في كافة مجالات العمل السياسي والإقتصادي والإجتماعي، دون مبالاة أو مراجعة لهذا الأداء، فاستمرت سياسة الهدر والصفقات المشبوهة وإسقاط نهج المؤسسات لاسيما الرقابية والخدماتية، وباتت الممارسة السلطوية وكأن لبنان إمارة قد وهبت لأركان هذه السلطة، في انتهاك صريح لأبسط مقومات الدولة المدنية، خاصة بعدما أعادت إنتاج نفسها بموجب قانونها الإنتخابي الذي كرس الطائفية والمذهبية المتقمصة بلبوس النسبية، حيث بات تشكيل اللوائح حكراً على أمراء الطوائف وأصحاب الثراء الفاحش، مما أسقط لبنان من مساوئ قانون الستين إلى جحيم التقاسم المافياوي الطائفي.

وترى القيادة أن إدارة الدولة أمست قائمة على “تفاهمات” متناقضة في ما بينها بالشكل وبالجوهر، وبقدر ما هي ملزمة لأصحابها، فإنها ليست أعرافاً ولا نصوصاً دستورية واجبة الإتباع والإلزام في تحديد السياسة العامة للوطن، وإذا كان بناة هذه التفاهمات متنكرون لالتزاماتهم الأخلاقية والأدبية، فلماذا تتحمل البلاد تبعات أخطائهم إذا ما أسقطت هذه التفاهمات!

وبعدما أضيفت على أسس الإدارة السياسية تبعات “التسوية” الرئاسية التي أذهبت بدورها عقوداً من التنظير بالشفافية والمساءلة والإصلاح، فقد بات الأداء السياسي مكبلاً بأثقال الولاءات الخارجية والمصالح الشخصية لأطرافها، وأمسى الحفاظ على التفاهمات والتسويات أولى من حماية الإنجازات الوطنية، وبات جهد السلطة إيجاد التبريرات غير المقنعة للتجاوزات الداخلية والإملاءات الإقليمية والغربية.

إن تنازل المسؤولين عن السيادة الوطنية أمام التدخل الأميركي الذي عاث فساداً في البلد وإقفالاً للمصارف وتهديدات للمؤسسات والأفراد قد أسقط القيم الأخلاقية التي يجب أن يتحلى بها هؤلاء المسؤولون.

إن التفلت الأخلاقي والإداري، وافتقاد الحكمة والعقلانية في ممارسة السلطة العامة، بدءاً من التعيينات حسب المحاصصات والمحسوبيات وانتهاءً بإلغاء حقوق المواطنين في الوظيفة العامة بمبررات طائفية ومذهبية، قد أوقع المؤسسات الدستورية والأمنية في دائرة الضياع والعجز عن المبادرة في تنفيذ الإجراءات التي هي من صلب مهامها”.

وأضاف البيان: “إن تبرير الإفلاس المالي والعجز الإقتصادي باتهام الأطراف الحاكمة لبعضها البعض لا يعطي براءة ذمة لأي منها، فكلهم مشارك في ما وصلت إليه البلاد سواء كان مرتكباً، مبرراً أو ساكتاً، ويؤكد ضرورة إخضاعها للمساءلة القانونية التي تتولاها سلطة نزيهة وموثوقة خارج اطار المحسوبيات والمحاصصة.

وترى القيادة القطرية أن السلطة التي أقرت موازنة العام 2019 لم تقدم حلولاً جدية ومقنعة للوضع الإقتصادي، فشهدت تقنيناً حاداً إلى درجة الإلغاء في الخدمات الرعائية للمواطنين وفي البنود التي تسير الإدارة العامة، بينما بقيت البنود التي تغطي الصفقات والمشاريع النفعية لأركان السلطة على حالها، في ظل انعدام السيولة النقدية وامتناع الحكومة عن دفع المتوجبات المالية لمستحقيها، ولما باشرت سلطة الترف السياسي بدارسة موازنة العام 2020، كانت الضرائب المستحدثة وزيادة الرسوم أولى البشائر على استمرارها بسياسة النهب وتمرير الملفات المشبوهة التي لم تعد تنطلي على اللبنانيين، مما أخرج الناس إلى الشوارع والساحات في تعبير صارخ عن انعدام الثقة بكل أركان هذه السلطة بجميع مكوناتها السياسية والأمنية والمالية والقضائية، والتي صدمت بجرأة الحراك وعلو كعبه المطلبي وسرعة انتشاره العفوي على كامل الجغرافية اللبنانية كـ “طفح” سببته “الحميات المرضية” المتأتية عن الأداء الوبائي لأركان الحكم الذي أطاح بمقدرات الناس المعيشية والإقتصادية، فتبدى للعيان مستوى الوهن الذي يعتري هذه السلطة القائمة على كيد المناكفات وعجزها عن التعاطي الواعي والصادق مع شعبها.

لقد شكلت المظاهر الإحتجاجية التي شملت كافة المناطق اللبنانية في بداية الحراك، وانخرطت فيها كل الشرائح الإجتماعية بما فيها الموالية لأحزاب السلطة، أفضل تعبير عن الوعي الشعبي المتقدم على رؤية السلطة في مواجهة المخاطر المحدقة بالوطن، كما شكلت رداً وطنياً على الممارسة السلطوية القائمة على شحن الغرائز بذريعة الدفاع عن حقوق الطوائف، وأثبتت مدلولاتها القاطعة على إسقاط مشاريع الفدرالية الطائفية المكرسة عملياً بتقاسم النفوذ المقنع بشعارات الميثاقية.

وبقي الأداء السلطوي على حاله، بل تمسك اكثر من أي وقت مضى بشروطه وخطابه وآليات عمله واستعداء جزء كبير من الشعب اللبناني، لا سيما بطروحات أسميت إصلاحية، دون تبيان آلية جدية للالتزام بها أو لتنفيذ بنودها في ظل التركيبة الحالية، مما أتاح الفرصة للمتربصين شراً بهذا البلد لاستغلال الحراك وتبنيه، فانفلت من عفويته ومصداقيته باتجاه “الفوضى الملونة” بعناوين مختلفة تمت صياغتها عن سابق تصور وتصميم، وبتخطيط منظم من سفارات العدوان على لبنان، فشهد البلد انتشاراً لبدعٍ إنقاذية “غب الطلب”، أشكلت الرؤية على بعض القوى وبعض المنظرين الواقعيين فانخرطوا في المشهد “الافتراضي” الذي يصب في مصلحة المشروع الأميركي”.

واستطرد البيان: “وتهافت رموز الفساد على إدراج أنفسهم في لوائح اعتماد هذه “الفوضى الملونة”، سواءً بالاستقالة (الهروب من المسؤولية والإقرار بالعجز) أو ادعاء أبوتهم لمطالب “الفوضى الملونة” بعدما أنكروا شرعية الحراك في بداياته، فلجأوا إلى تصرفات صبيانية تعبر عن تخلف إدراكي في فهم حقيقة التحديات التي تواجه لبنان، وكأن المسألة الإقتصادية هي صراع على المهام الحكومية وتقاسم الحصص من مشاريع سيدر وغيرها من قروض هدفها رهن البلد مالياً بتكرار التجارب الفاشلة لـ “ماكنزي” وغيرها.

وإذا كان القابضون على السلطة، الذين طالما أتحفوا الناس بقوتهم التمثيلية وشعبويتهم بفعل الإنتخابات، يمتلكون إدراكاً سليماً لمقتضيات المرحلة أو تصورات واضحة للحلول، فما هو السر الذي يدفعهم لاستجداء الحوار مع “المحركين الإفتراضيين” لهذه “الفوضى الملونة” من “مؤسسات المجتمع المدني” وغيرها من “أدوات التحريك” المعروفة الولاء والانتماءات؟ وإذا كان لبنان محكوماً بفشل الإنقلابات العسكرية فلماذا يسمح الساسة الآن بتنفيذ انقلاب سياسي عبر التوسل لمحاورة هؤلاء “المحركين الإفتراضيين” واسترضائهم لإشراكهم في الحكومة الجديدة بينما لا يزداد أولئك إلا عتواً وعتاهية وفرضاً للشروط من موقع القوة؟

لماذا تنبه بعض من في السلطة مؤخرا إلى طرح الدولة المدنية، بعدما استساغ العزف على أوتار التفسيرات الارتجالية لبعض مواد الدستور؟ وهل تؤتمن هذه السلطة أو هل تملك القدرة على قيادة التغيير؟ أم أنها جزء من مسرحية تقطيع الوقت لهذا البعض انتظاراً لمتغيرات إقليمية ما تستطيع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء؟

إن الحد الأدنى من أخلاقيات العمل السياسي تستدعي التضامن والتكافل بين كافة مكونات السلطة لتحمل المسؤوليات واتخاذ المبادرات الجدية لإنقاذ نفسها بالدرجة الأولى من براثن إفلاسها السياسي الذي أوقع البلد في إفلاس مالي لا تملك الجرأة على المجاهرة به، ناهيك عن صمت القبور الذي التزمته مع انتشار التقارير العالمية عن ثرواتها وحساباتها الفاحشة في المصارف والبيوتات المالية في الخارج، وهل تملك هذه السلطة جرأة الإجابة على استعلام اللبنانيين عن السلطة المسؤولة عن سلامة الوضع المالي والنقدي في لبنان ومن هي الجهة التي تملك حق المساءلة والمحاسبة لهذه السلطة؟

إن مواجهة المخاطر التي تتهدد لبنان تقتضي على كل المعنيين في السلطة أن لا يدخلوا رؤوسهم في الرمال، وتقتضي وعي الحقيقة القائمة أن أعداء لبنان قد اطلقوا صفارة الإنطلاق لحلقة جديدة من “الفوضى الملونة”، وما يجري في لبنان ليس سوى نسخة منقحة عما جرى في مصر وغيرها من ضحايا المشروع الصهيوني ولن تكون خاتمته أقل من النسخة الليبية الحالية.

إن مهادنة الأطراف المرتبطة بالمحور العدواني على لبنان قد أوجد علامة فارقة في تاريخ الوطن تمثلت بازدواجية في الخطاب السياسي الداخلي والخارجي، استنزفت المقاومة في الكثير من رصيدها المعنوي والمادي في سبيل تحقيق الحد الأدنى من الوحدة الوطنية، فيما لم يبادلها الآخرون الوفاء باحترام الدستور والأصول السياسية، علماً أنها هي سر البقاء للبنان وعنوان منعته وعزته وهي أصدق الأقانيم الوطنية.

إن الإنجازات التاريخية للعمل المقاوم غالية جدا ولا يمكن التقريط بها من اجل تفاهم أو تحالف هزيل، أساء إلى موقعيه والى صانعي هذا الإنجازات، فغيبت ذكراهم وأعيد الاعتبار لجلاديهم لا سيما عودة العملاء والخونة! فضلاً عن أن حماية هذه الإنجازات هو واجب وطني ولا يمكن التعاطي معه كسلعة موسمية أو مادة للتجاذب السياسي بين عصابات السلطة أو اتخاذه عنواناً للتحركات الشعبوية.

إن الإنقاذ لا يكون إلا بإعادة الإعتبار للشخصية الوطنية اللبنانية غير المرتهنة للرهاب السعودي والوصاية الأميركية، وبرص صفوف الأوفياء والخلص لنهج المقاومة وللهموم الوطنية والقومية في لبنان وعدم التلهي بالأحجام الاستعراضية أو المراهنة على الأحصنة الخاسرة.

ترى القيادة القطرية أن زمام المبادرة ربما يكون قد افلت من يد السلطة لكنه لم يصبح بعد في يد الآخرين، وبما أن محاصرة لبنان والمنطقة بـ”الفوضى الملونة” هي مطلب أميركي وصهيوني، فإن التحديات المصيرية توجب أن يكون الخلاص بأيدي اللبنانيين بدلاً من ارتهان البلد للهيمنة الأميركية التي لن تثمر إلا التفرقة ودمار البلد خدمة للمشروع الصهيوني.

وتعتبر القيادة القطرية أن استهداف لبنان هو استهداف المقاومة عبر الإسقاط اقتصادي تمهيدا للإسقاط السياسي، وما طرح حكومة التكنوقراط إلا إغراء مبتذل لتنفيذ المخطط الأميركي، فأقصى ما تقدمه التوصيفات التقنية أصبح ماثلاً للعيان وهو سوء الأداء السلطوي وإجبار المكونات الحاكمة على اعتماد معايير النزاهة والشفافية وغيرها من التوصيفات الملونة، والتي ستصطدم لاحقاً بعقبات التمويل المالي، حيث لا مفر من الارتماء في أحضان البيوتات المالية الدولية، التي تتكفل بإنهاء كل المقومات المادية والمعنوية للبنان.

وطالما أن البلد في حال إفلاس اقتصادي، فالحكمة تقتضي دفع نصف الإستحقاق الاقتصادي وحماية الإنجاز السياسي، بعيداً عن تدوير الزوايا في وضع خاضع للإملاءات الخارجية، وذلك بتشكيل حكومة إنقاذ مقاومة وطنية، تتخذ قرارات جريئة مهمتها تصويب الخيارات السياسية والإقتصادية، ترفض الهندسة المالية لصالح مصارف السلطة وتحاسب واضعيها والمنتفعين منها، وتبادر إلى تحويل الديون إلى استثمارات بالعملة الوطنية، والتوجه نحو دول جديدة خارج السرب الأميركي والغربي لتسليح الجيش والاستيراد المباشر للمشتقات النفطية من قبل الدولة دون الإرتهان لكارتيلات النفط، وإيجاد أسواق جديدة للمنتجات اللبنانية مع ابتكار آليات عمل حديثة لدعم للصناعة والزراعة والتجارة وأقفال مزاريب المحاصصة.

وترى القيادة القطرية أن الضرورة تقتضي استكمال ما لم ينفذ من اتفاق الطائف بدلاً من العودة إلى الحرب الأهلية، لا سيما أن النص الدستوري واضح لجهة تأليف “الهيئة العليا لإلغاء الطائفية السياسية” وضرورة اعتماد قانون إنتخابي يعتبر لبنان دائرة انتخابية واحدة على أساس النسبية وخارج القيد الطائفي، بالإضافة لتعديل قانون الأحوال الشخصية، فيشهد لبنان قيام الدولة المدنية التي عندها يمكن تطبيق المحاسبة ويصبح لبنان على الطريق الصحيح.

تعتبر القيادة القطرية أنه لا بد من مقاربة العلاقات مع سورية بصدق وواقعية، كونها تشكل معبراً إلزامياً لتحصين الخيارات السياسية والإقتصادية، من خلال مبادرة المعنيين في السلطة، بمراجعة الأداء اللبناني تجاه سورية منذ بداية العدوان عليها، بدأً من مهزلة النأي بالنفس إلى توريد الأسلحة والمرتزقة والتكفيرين، وجعل لبنان مقراً وممراً لاستجلاب كل شذاذ الآفاق لتدمير سورية وشتم شعبها وقيادتها، إضافة لتهجير أبنائها من قراهم وبلداتهم قسراً، وغيرها مما لا يعد ولا يحصى طمعاً في كسب ود المعتدين وتقديم أوراق اعتمادهم كأدوات متوافقة مع متطلبات “الربيع الصهيوني”.

ومضت القيادة القطرية لافتة: “لقد وضع لبنان على فالق الزلزال السياسي منذ صدور القرار 1559 وما سبقه من نتاج مجموعات الضغط المرتبطة باللوبي الصهيوني في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية لا سيما إقرار “قانون محاسبة سورية وتحرير لبنان”.

ولطالما افترى الجزء الأكبر من المسؤولين على الدور الإنقاذي السوري في لبنان وأنكروا كل الإنجازات والتضحيات، كجزء من ماكينة إعلامية صهيونية تبنت شعارات السيادة والحرية والاستقلال، فهل يمتلك المفترون الجرأة على تبيان زيف ادعاءاتهم وشعاراتهم؟ خاصة بعدما أنهت القيادة السورية مبادرتها في لبنان في العام 2005 بعد إنجاز المهام القومية التي تضمنتها هذه المبادرة، وتناول “جهابذة الإرتهان” السلطة فيما بينهم، فارتفع الدين العام من 30 مليارا إلى 100 مليار دون كلفة إعادة أعمار أو دعم الصمود أو بناء المؤسسات، وتم تبديد وتبذير كل ما تم إنجازه على المستوى الوطني والمؤسساتي!

إن من تفنن في ابتداع أبجدية الشتم والتوصيف عليه أن يتقن أفعال الندامة والتوبة لما فعله من إساءة تجاه سورية، وإن التعالي في التعاطي معها ينعكس سلباً على مطلقيه.

إن المبادرة باتجاه سورية والإنفتاح عليها، وعبرها إلى المحيط الممانع والحليف، هي السبيل الوحيد لإخراج لبنان من أزمتيه السياسية والإقتصادية، وعلى السلطة اللبنانية، إذا كانت فعلا مالكة لسيادة قرارها وراغبة في إنقاذ البلد بعيداً عن العلاقات الشخصية أو الزيارات الفردية، أن تكون الخطوة الأولى تكليف شخصية موثوقة وشجاعة لتشكيل الحكومة العتيدة، لا يكن العداء لسورية ولا يرتبط بحلف العدوان عليها، فالعلاقات التاريخية والمميزة التي تربطها بلبنان هي أكبر وأعمق من كل الأطر المؤسساتية الإقليمية أو الدولية التي كانت شريكة في العدوان عليها”.

مقالات ذات صلة