ثُلاثِيَّةُ الخَوْفِ على لبنان…!!/ د.جورج كلاس

الخَوفِ على الحِراكِ والمخَاوِفِ مِنهُ والتَخَوُّف منْ تَفخيخِهِ..!

ُيَفرِضُ المَشْهَدُ الشَارِعِيُّ والشَعْبِيّ

الرَّاهِنُ والواسعُ في لبنان ، حُضُورَه الفعليَ والإستثنائيَ على الوجدانِ اللُّبنَانِيِّ العام بكُلِّ فِئاتِهِ وأَطْيَافِهِ وطَوائفِهِ وطَبَقاتِهِ المُجتَمعيَّةِ وكاملِ المُستَوياتِ الفَهمِيَّة التي تتَشَكَّلُ منهاِ التَركيبةُ اللبنانيّةُ بأَبعَادِها الحَضَارّيَّة والثقافيةِ والمذهبيّةِ ، والتي لمْ تَرقَ بعدُ للتحَوّلِ من رُتبَةِ ( مُجْتمَعٍ مُرَكَّبٍ ) الى مَرتَبةِ ( مُجتمعٍ إنصهاريِّ) تتَكاملُ فيه الطوائفُ والثَقافاتُ ، ،بِكُلِّ خُصوصيَّاتِها وإمتيازاتِها ، على قاعدةِ التشاركيَّةِ والتضامنِِ المَصيريِّ الحَتميّ.

مِنْ حَقِّ لبُنَانَ الوطَنِ الجَريحِ، عَلى كُلِّ أَبنائِهِ ، أَنْ يَقولوا كَلِمَتَهم و يَرفَعوا ِرَأْيَهُمُ بِما يَحْدُثُ ، إنْطِلاقاً من صَراحَة إلتزامِهم وصِحَّةِ إِنتِمَائِهم ، وواجِبِهم الإنسانِيٌّ ، فَضلاً عنِ وُجوبِ التَخَلُّقِ بالقِيَمِ ، والتأَدُّبِ باللَّفْظِيَّاتِ ، والتَحَصُّنِ بالمَعَارِفِ ، التي تُمكِّنُهم مِن قَوْلِ الكلامِ الفَصْلِ ، متى كان مصيرُ الوَطَنُ على تقاطُعاتٍ ومَفارِقَ مَصيرِيَّةٍ مَحفوفةِ بِمخاطِرِ المؤامرات ِ وأخطارِ المُغامرات ، التي َغالباً ما تَختَبئُ خَلفَ شِعاراتٍ ومطالِب ََََ

وصُراخاتٍ مُحِقَّةٍ ، ترتسم بقوًةٍ في أُفُقِ كلِّ قولٍ أوْ فِعْلٍٍ أو تَحَرُّك ٍ إحتجاجِيٍّ لهُ ُمُبرّراتهُ ودوافعُه الصريحةُ والواضِحة ،

ِ..! والخارجَةُ من عُمْقِ المُعَاناة

ِفَهلِ الثَوْرَةُ ، هي ضِدُّ السُلطَة بالمُطْلَقِ وأَركانِها، أمْ أنَّها ضِدُّ مَنظومَة ِِِ الفسادِ والهَدْرِ والسَرِقَةِ والنَهْبِ المُستَدَام..؟ أمْ أنَّها ثَوْرَةٌ لها أَجَندَتُها المَطلَبيَّةُ وبَرنَامَجُها الإنْقاذِيُّ وإستراتيجيّتُها الإصلاحِيّٕةُ..؟

حتّى الآن رأينا و سَمِعنا شِعاراتٍ سياسيّةً مُحِقَّةً ، و خَدَّشَتْ أَذواقَنا لَفْظِيَّاتٌ وسِبابٌ وشَتَائِمٌ ، لَيْسَتْ مِنْ أَخلاقِِ الثَورةِ ولا تُشبِهُ أبَداً النِيَّاتِ القَصْدِيَّةَ التي إنطَلَقَتْ مِنها بدَافعٍ وَطنيٍ صادِقٍ مَبنِيٍّ على جُروحٍ وأوجاعٍ ومآسٍ كانَ من المُفيدِ أن تَصِلَ إلى أَسْماعِ أَهلِ السُلطَة ِ وكُلِّ مَنْ تَعَاقَبَ على مسؤوليَّةِ القَرارِ في لُبنانَ ، من َمَسؤولينَ مَدَنيِّينَ أَوْ مِن مَسؤولين ومَرْجَعِيَّاتٍ روحِيَّةٍ، لا تَقِلُّ ٍمَسؤوليتُهم عن أي مسؤوليَّة لِلسُلطاتِ الرَسمِيَّةِ الحاكِمَة. أوَليسَتِ المَرجَعِيَّاتُ الدينِيَّةُ سُلطَة ً قائمة بذاتها ، ِوشريكةً بإدارةِ شؤونِ الأَرواح

على الأرض وما بعدها..؟

خوفي الأول ، أن تنجح َ الثورة ، ولا*

يكون لها برنامج إنقاذي ثورويّ ، يستجيب ُ لإنتظاراتِ الناس ، ويُلاقي الشعارات الجيّدة التي رُفِعتْ و صَدَحَتْ ِفي ساحاتِ الإعتصامِ وميادين ٍالإعتراضِ، التي إتَّصَفَتْ بعقلانيّةٍ هادئَة ومايزَةٍ ، طَبَعَتْ الحَراكَ الثوريَّ بشَحْنَاتٍ من الإندفاعِيّةِ والتَفَاعلِ الشعبي ، يُشكِّلُّ عنصرُ الشبابِ عمودَ بُنيانِه القائمِ على مُرتَكَزاتٍ صَلْبَةٍ و ِمُحِقَّةٍ ، مَعْ تأكيدٍ بإعجابي العَميق ِوتقديري للشعاراتِ والمواقف ِ الرائعة َالتي أطلقها الشَبابُةاللبنانيُّ حول ِخَياراتِ { الدولة المدنية} و صراحَة العلاقةِ التكامليَّةِةوالكِيانيّةُ بينَ الجيلِ الجديد ، الذي كنتُ شَخصِيّاً أخافُ أن يأتيَ يومٌ تتباعَدُ فيهِ الأجيالُ ، بحيث ُ ِلا يَعْرِفُ فيهِ المَسيحيُّ شَيْئاً عَن ُالإسلامِ والمسلمينَ ، ولا يعرفُ المُسلم شيئاً عن المسيحيّةِ والمسيحيين.. السَاحَات ُ أسقَطَتْ خوفي الكبير، فإذا بنا ، نَحْنُ جيلَ مُعاناةِ حربِ ال75 ،نَعتزُّ ونُفاجَأُ بمَنْسوبِ الوَعي الوطني والحِسّ العَلْمانِيِّ والشُعورِ الوَطني ، الذي إنمازَ بهِ حَراكُ الشَبابِ بعقلانيّةٍ ِووُضوحٍ رُؤيَةٍ وصَوَابيةِ رُؤيا ، بخِلاف ِبَعْضِ الكلامِ الذي نالَ من شَرفِ الثورة ِوحَادَ بأخلاقيّاتِها عَنِ المقاصِدِ النَبيلة والأهدافِ الساميةِ والتصرّفاتِ الراقية. والمطلوبُ هنا تَصويبُ البوصلة وحِفظُ كَرامةِ الثَورةِ ونَقَاوةِ هَدَفِيّاتِها ، وإلّا كانَ سُقوطُها عَظيماً ،بمِثلِ عَظَمةِ إنطلاقتِها العَفوِيَّةِ وإندفاعِيَّتها الجريئة.

 

خوفيَ الثاني ؛ هُوَ على الثَوْرةِ من الثَوْرَةِ نفسِها ، أَنْ تَقَعَ في مَطبَّاتِ ِالتَطْييفِ والمَذهَبَةِ والصِراعَاتِ العَقيديَّة َ، وإختلافاتِ الرُؤى الإنقاذيةِ بين مُكوِّناتها. إِذّاك تُصبحُ الثورة نَمَطاّ من أنْماطِ الفَوْضى ، وتَكونُ بالتالي عِرضَةّ لثورةٍ على ثَورَتِها ، من ضِمنَ ما يُسمّى ب(الحركة التصحيحية)، حيثُ ثَوْرَةٌ َجديدةٌ تأكلُ ثوْرَةً قديمةً…إذّاكَ تَكونُ الفوضى وصِراعَات ُ النُفوذ ِ بينَ فُرقاءِ .

الحِراكِ ومُنَظِّريهِ وقادتِهِ ومُلهميه.

( خوفي الثالث ؛ أن يسقطَ الحراك وتتعَثَرُ الثورةُ ، ويبقى ( النظام الذي لم يسقُطْ) مُتَخَبِّطاً بأخطائِهِ وخطاياه، ومُستَقويّاً بِحماياتِ ومعادلاتٍ وتوازناتٍ طائفيَّةٍ ومَصلَحِيَّةٍ ، زادتْ من مَنسوبِ القُوَّةِ عندَهُ الى حَد إقتناعِه أنَّهُ صارَ من ثوابِتِ البلدِ غيرِ القابلةِ للتغْيير او التَحَوِّلِ الجزئي في مسارِهِ السياسي وسلوكاتِهِ المَرضِيِّ عَنْها من بَعضِ الراضينَ بوضعِيَّةِ الحالِ والمُقتَنعينَ بأَنَّ تَغييرَ الحال منَ المَحال..! وخوفيَ على الحراكِ من السقوط ، مَبنِيٌ على تَخَوّفي من ان يكون الحراكُ نشاطاً ميدانيّاً غَيرَ مُنَظَّمٍ وان يكونٍ مُسيَّراً و مَمسوكاً ومنقوصَ الحُرِّيّة، وكأن الثورةَ لمْ تبلُغْ سِنَّ الرُشدِ بَعد! ويتزايدُ خوفيَ أكثرَ عندما لَم أجِدْ عْنواناً للثورةِ ولا برنامجَ عملٍ لها ، وكانّها تعملُ (على القطعة ومن دون روزنامةٍ مطلبيَّةٍ خارج الإستهدافات اللفظيّة والخطابِ الإتّهامي للمشاركينَ في الحراك ، الأمرُ الذي خَفَّفَ من وَهْجِ الحراكِ و حادَ بإندفاعِيَّةِ الشبابِ عن المسارِ التصاعُديِّ المَأمولِ لها. ومن المآخِذِ الصلبةِ على الحراكِ أنَّهُ نَجَحَ بأن يكونَ حراكاً وفشلَ ان يُصبحَ ثَورَة، لأسبابٍ أَقَلُّها أَنَّهُ كانَ غَيْرَ مُنَظَّمٍ ، بحَيثُ أضحى مشاعاً مفتوحةٌ ساحاتُهُ للصَّادقينَ والثائرينَ الصَّح كما للإنتهازِيِّين من السياسيين الذين تَتَجِهُ إليهم أصابِعُ الإتهامِ بالكلمةِ والصَوتِ والصورة.

فهل خَيَّبتِ الثورةُ رُوَّادَها ؟ وبالتالي زادتْ من مستوى الإحباط النفسي عندَ مَنْ نادوا بها و صَدَّقوا شعاراتها وآمنوا بمبادئها السامية والمُحِقَّة ؟

إن عودَةً الى أخلاقِيَّاتِ الثورةِ تُظهِرُ أَنَّ ثَمَّةَ فَرزاً واضِحَ الجَلاءِ قاسَمَ بينَ فِئاتِ الناشطينَ و مُستوياتِهِم، من حيثُ جَدْوَلَةِ مطالبهم ، أو من حيثُ فَرعِيَّاتِ إهتماماتِهِم وتَعَدُّدِ طموحاتِهِم ، و سَعيُ كُلِّ جماعَةٍ لأن يكون لها ثورتُها الخاصة أو أن تكونَ هي ( الثورة)

 

* عميد كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية سابقا

مقالات ذات صلة