شيء من الثرثرة عن وربما “مع” الذات/ طلال شتوي

 

– في طفولة أبناء جيلي كان رمضان ساحراً، والسحر يبدأ قبل رمضان، حين يتجمّع الأولاد لكي يقيموا ما كنا نسمّيه “سيران رمضان”، وغالباً ما يكون في حقل أو كرم قريب من البيوت، حيث نصنع المأكولات التي لا نجيد صنعها، ونمضي نهاراً فاتناً، مع أننا في النهاية كنّا نعود إلى بيوتنا جائعين!

كانت يوميات رمضان في زماننا حميمة جداً.

المسحّر والمدفع و”الخرنوب” و”قمر الدين” وسهرات الجيران، ثم بدء التحضير والتخطيط للعيد، بثيابه الجديدة وبصواني المعمول نحملها إلى الفرن القريب ونعود في المساء ونحن نغني.

ودائماً أجمل يوم في رمضان هو اليوم الأخير. لا أذكر طوال طفولتي وفتوتي الأولى أنني عرفت النوم في هذا اليوم.

كنّا نسهر بانتظار العيد. ودائماً دائماً نمضي اليوم الأول من العيد في مشاوير ونزهات لا تنتهي إلا في المساء حين نعود منهكين إلى البيوت ونقاوم النعاس ببسالة.

– لطالما انتابني الشك حول أهليتي كصحافي، رغم النجاحات والمواقع والمراس الطويل، فأنا أفتقر الى صفة شبه أكاديمية في المهنة هي: الفضول!

صدقا، لا أتمتع بهذه المهارة التي تميّز العاملين في الأعلام، ومن يراقب حواراتي يكتشف أنني لا أدفع من أحاوره للأستفاضة حيث يريد الأقتضاب، ويندر أن أنطق بأسئلة تبدأ ب “لماذا” أو “كيف” أو “أين” الخ!

والغريب، أن الشك اياه ينتابني حول مدى انتمائي الى جماعة الكتّاب والشعراء، حيث لا أتشارك معهم في “أمور” شبه عامة، أبرزها الغيرة بشكليها الحميد والخبيث، ولا أتردد في الأعجاب بسواي من أساتذة أو زملاء أو هواة، لدرجة أنني قلت لأكثر من شخص خلال هذه الحياة تلك العبارة التي تدهش سامعها: الله! أنت تكتب أجمل مني…

شيء واحد لا شكوك لدي حوله، وهو أنني قارىء صعب الأرضاء، وأنني اذا أحببت كاتبا او كتابا، فسيتحمّلني مدى العمر، اذ أنا من محترفي القراءة للمرة العاشرة، العشرين، واحيانا الخمسين… كما حالي منذ أيام مع كتاب الراحل أحمد أمين “حياتي”!

– لست خفيف العقل حد لوم الطبقة السياسية في لبنان على كل الكوارث التي ارتكبتها وآخرها “مسخرة الزبالة”، فهذه الطبقة نشأت على الفساد والرذائل والأحمق هو من يراهن عليها!

ولست بلا قلب لكي أجلد الشعب اللبناني رغم كل حماقاته التي قادوه اليها عبر افقاره وقهره في لقمة عيشه وصحته وتعليم أولاده، والظالم هو من يعتب على شعب منكوب!

رأس الأفعى (لا أقل من هذا التوصيف) هي “النخبة” المزورة التي تضم خليطا من مفكرين ومحللين وكتّاب وشعراء وصحافيين ومغنّين وناشطين اجتماعيين… هؤلاء الذين أخذوا شرعيتهم من جمهور مسكين وضعهم في مصاف الآلهة وباعوا هذا الجمهور في بلاط السلطان.

– لطالما كنت غاضبا وحزينا مذ أدركت أن ليس بوسعي أخذ الحافلة من ساحة عبد الناصر(المعروفة بساحة التل) أو القطار من الميناء والذهاب في رحلة عادية الى القدس!

بعد فاجعة العراق، أصبحت غاضبا وحزينا و”خائفا” اذ كنت أعرف ما قاله المعماريون القدماء أنك ان دحرجت حجرا من بغداد فستراه سبقك الى بيتك في طرابلس أو حمص أو دمشق أو بيروت أو عمّان.

بعد فاجعة سوريا، أصبحت غاضبا وحزينا وخائفا و… يائسا!

موطني….

مو ط ن ي

يا لها من مرثية!

– طوال عمري لم أحبّ معرفة الغيب… ولم أسمح لأحد بالتبصير لي، وقد عرفت خلال حياتي مشاهير البرّاجين الذين يرسل لهم الملوك والنجوم والأثرياء طائرات خاصة لكي يبّصروا لهم!

مرة واحدة فقط وكان عمري 21 سنة… كنت في صالة انتظار في “مكان ما”!

تقدّم مني رجل جليل وامسك كفّي اليمنى بلا استئذان. وجد فيها خطا مستقيما بالعرض. تأمّل به كثيرا. ولمحت شيئا يشبه الحيرة في عينيه!

قال لي: انه خط نادر…هل تريد أن اقول لك ماذا يعني؟

أجبته فورا: لا…

قال: هذا افضل… عش حياتك!

ومضى…

– أكثر ما أحبّه في طرابلس أنها مدينة أنيسة وبسيطة وجمالها الحقيقي في ناسها.

لست مرتبطاً بالأماكن والمدن بشكل قبلي، ولا حتى بالدين وبالعائلة، مع أنني أحرص على عدم مخالفة ما درج عليه البشر من احترام هذه الروابط.

والغريب، أنني رغم افتتاني بالحارات الشعبية، سواء في طرابلس أو في بيروت، إلا أن الجغرافيا التي أشعر بالانتماء إليها هي بقعة صغيرة من بيروت اسمها “راس بيروت”.

– أنا فعلاً إنسان بسيط دون أن يعني ذلك أنني لا أختزن القدر الفائض من العقد، ولكن البساطة مصدرها معرفة هذه العقد والتصالح معها، لأن لا شيء آخر ممكن!

لم أقرر أن أكتب “بعدك على بالي”، كما يقرر أي كاتب.

لقد ولد الكتاب في مفترق من حياتي بعد انقطاع طويل عن الكتابة.

ولد دون تخطيط كما تولد الصدفة.

ولد ليكون قدري الجديد أو على نحو أدق ليرسم لي أقداري الجديدة.

ولاحقا، لم أنشر قصائدي القديمة في “هذا الأزرق أنا” الا لكي أسترجع مع بشر أحبّوها حين نشرت على صفحات “الحسناء”، صداقة انتهت قبل ربع قرن، وهي صداقة فاتنة من طرف واحد، وآن الأوان لكي ألّوح لهم ممتنا.

ثم، مع نشر قصائدي الجديدة (والأخيرة) في “كان يكفي نكون معا”، أدركت أنني بدأت أتورط، وسارعت الى الأعلان يوم توقيع الكتاب أنني لست بشاعر وانها مجرد نزوة، وأن زيارتي الى الشعر انتهت، فأنا ضيف خفيف الظلّ.

أما “زمن زياد، قديش كان في ناس”، فهو ملحمتي المتواضعة في حب بيروت، بكل وجوه بيروت، اللبنانية والفلسطينية والسورية والمصرية.

وأنا أعرف كم هو كتاب بديع ورقيق وعميق، فأنا لا أغشّ نفسي! لكنني أعرف أيضا أنه كتاب أهم من حصره بشخص حتى لو كان مبدعا من عيار زياد.

حين أعلن زياد الرحباني أنه لم يحبّ الكتاب، خذلني قليلا، لكنني وبعد مضي الوقت اللازم للتطّهر من العواطف المضلّلة، أيقنت أن “عدم حب” زياد للكتاب هو أفضل مديح لي! ولن أزيد!

وأخيرا أتى “لا أحد يصل الى هنا” مع فاطمة برجي، أجمل كتبي بالنسبة اليّ، وأجمل ما فيه هو فاطمة، وسأظلّ مغتبطا طوال العمر بأنني نجحت في دفعها الى اخراج القليل من فائض العذوبة الذي تخنزنه.

ولن أخفي أنني أعمل متمهلا “بكسل”، ولكن بتصميم، على كتابي الجديد الذي ربما يكون كتابي الأخير…

مقالات ذات صلة