كيف صار الفساد في لبنان محمياً؟/ رفعت البدوي

دخل لبنان أسبوعه الثاني وسط احتجاجات شعبية انفجرت بوجه حكومة فاسدة سميت حكومة الوحدة الوطنية لكن الحقيقة أنها حكومة تلطت بتوازنات طائفية ومذهبية، الوزراء فيها يحظون بحماية أحزابهم الأمر الذي أمّن للوزراء الفاسدين غطاء طائفياً أو مذهبياً يمنع عنهم المحاسبة.

على مدى عامين ونيف اتخذت حكومة الوحدة الوطنية قرارات عدة بعيدة كل البعد عن أي إصلاح أو تحديث في مرافق الدولة وعلى العكس فإن قرارات الحكومة الضريبية وسياستها المالية كانت جائرة بحق المواطن وضاغطة على الطبقات المتوسطة والفقيرة.

الوزراء في الحكومة راهنوا على حماية الأحزاب والقواعد الطائفية والمذهبية فأمعنوا بظلم الناس وأوغلوا بنهب أموال الشعب والدولة إلى حد الفجور وذلك من خلال إبرام صفقات مشبوهة بكل قطاعات الدولة المنتجة.

لكن ضيق العيش وتقطع سبل تأمين حياة كريمة مع الضغط الضريبي المتواصل أدى إلى انتفاض الشعب وانفجار غضبه تعبيراً عن السخط والألم جراء فجور أهل الحكومة بالسرقات والصفقات المشبوهة بلا رادع خصوصاً بعد اللجوء إلى تسديد العجز المالي من جيب المواطن رغم الضائقة المعيشية التي طالت معظم شرائح المجتمع اللبناني.
الشعب اللبناني وبمختلف طوائفه ومذاهبه ومكوناته انتفض غضباً في الساحات والطرقات على حكومة الوحدة الوطنية الفاسدة وعلى كل الطبقة السياسية والاقتصادية المتحكمة برقاب العباد ورسم لوحة وطنية راقية عابرة للطوائف والمذاهب بعد أن خلع عنه ثوب الأحزاب ولبس ثوب الكرامة منتصراً لحقوقه المشروعة مطالباً بتأمين العيش الكريم.
فرحنا لما أقدم عليه الشعب اللبناني المنتفض لكرامته الوطنية العابر للطوائف واعتبرناه عرساً وطنياً يحقق حلماً راود الوطنيين الخلص عملوا لآجلة عقود من الزمن بإقامة الدولة المدنية العادلة خارج مفهوم الطائفة لكن لبنان وتركيبته العجيبة المعجونة بالطائفية أفسد فرحة العرس الوطني النقي بعد لجوء بعض السياسيين إلى تنفيذ أجندات أوروبية أميركية وحتى إقليمية من أجل تحقيق مكاسب سياسية ضيقة على حساب فريق سياسي آخر.

انتفاض الشعب اللبناني الوطني بدأ بعرس وطني على سياسات طائفية أنهكت شعب لبنان لكن هذا العرس الوطني سرعان ما تحول إلى جرس إنذار وطني خصوصاً بعد نجاح أجهزة المخابرات الخارجية الدخول على خط مجريات الأمور منتهزة فرصة المطالب الشعبية المحقة للنفاذ من خلالها وتحويل أهداف الانتفاضة والاحتجاجات وتجييرها لمصلحة حسابات إقليمية دولية بعيدة عن أي انتماء وطني لبناني.

الانتفاضة الشعبية دخلت أسبوعها الثاني وبدل أن تكون انتفاضة واحدة تعبّر عن وجع الناس تحولت إلى انتفاضات وإلى ساحات وأفرقاء كل منهم يتلطى بمطالب الشعب المحقة مع اختلاف الأهداف والأجندات.

الفريق الأول وطني بامتياز عابر للطوائف بريء من أي تلوث خارجي أهدافه تحقيق المطالب المعيشية والعيش بكرامة حالم بإصلاحات حقيقية.

الفريق الثاني ركب موجة المطالب لتحقيق مكاسب سياسية داخلية بأضعاف مقام رئاسة الجمهورية والسعي إلى تحجيم دور جبران باسيل الطائفي المنفر والمستفز المتجاوز لكل اللياقات.

الفريق الثالث دخل على خط الانتفاضة البريئة بهدف تلويثها وتشويه أهدافها وتجيير مفاعيلها لحساب تنفيذ خطة انقلاب أميركية عربية متقنة على العهد الرئاسي الذي حمى المقاومة اللبنانية وصولاً إلى تفتيت البيئة الحاضنة للمقاومة وذلك بوساطة بعض المحطات التلفزيونية التي عمدت إلى تسليط الضوء على شعارات تستهدف سلاح المقاومة بعد تلقيها الرشوة المالية من سفارات عربية وغير عربية لتشويه صورة المقاومة.

من الظلم والخطأ اتهام الانتفاضة المشروعة بالعمالة بدليل أن الانتفاضة في بداياتها هتفت ضد ظلم الحكومة الفاسدة بعد أن فقدت مصداقيتها وثقة الشعب معاً.

وللإنصاف والموضوعية فان تأخر أهل السلطة عن تلبية الحد الأدنى من مطالب الناس المحقة وتلكؤهم عن الاستجابة لملاقاة الناس في منتصف الطريق فتح كوة كبيرة سمحت بدخول السفارات والمخابرات الأجنبية على خط التظاهرات والتغلغل بينهم.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن خوف حزب اللـه من الاستهداف أمر مشروع لكن لا ينفي مسؤوليته وفريق رئاسة الجمهورية جراء التعنت بعدم القبول بالتقدم بخطوة نحو تنفيذ ما يمكن تنفيذه من مطالب الناس المقهورة.
ورغم تقديم ورقة إصلاحية مهمة إلا أنها لا تفي بالغرض لأن تنفيذها يأخذ وقتاً طويلاً على حين الناس المنتفضة تريد إصلاحات فورية.

بعد مرور أسبوع على الانتفاضة أطل فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية على اللبنانيين بخطاب مهم تحدث فيه عن مساوئ النظام الطائفي وتسببه بعقبات تعوق أي إصلاح.

لكن الشارع اللبناني منتفض وبحالة غليان وبحاجة إلى صدمة إيجابية تريحه، فأطل الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بخطاب متلفز شرّح فيه أهداف فرقاء ومكونات الانتفاضة والأهداف الكامنة وراء كل فريق كاشفاً عن محاولة انقلاب عربي غربي على النظام اللبناني وإعادة تركيبه من جديد على أسس تخدم العدو الإسرائيلي وأعوانه في المنطقة.

خطاب نصر اللـه أعاد اللحمة إلى بيئة المقاومة فقط بعد أن أصابها التصدع خصوصاً في الجنوب اللبناني، لكن اللافت في كلام نصر اللـه إصراره على بقاء الحكومة الفاسدة الجائرة ورفض استقالتها خوفاً من الوقوع بالفراغ كما أن الخطاب لم يقدم أي مبادرة للحل ورمى الكرة عند المنتفضين طالباً منهم تشكيل لجان أو هيئات للتفاوض متناسياً أن ولادة حكومة وحدة وطنية احتاج إلى عشرة أشهر كاملة بما معناه أيها المتظاهرون افرزوا أنفسكم بين مواطن بريء وعميل خبيث حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

إن تمسك حزب الله بالحكومة الفاسدة أظهر الحزب وكأنه حامي أركان ​الفساد​ وهذا أمر خاطئ، لا ننكر أن حزب اللـه أضحى لاعباً إقليمياً بامتياز فهو يتوجس الاستهداف الإسرائيلي الأميركي الخليجي خصوصاً بعد الانتصارات المتتالية في الإقليم ولذلك يخاف من تكرار السيناريو السوري 2011 حين أقدم الرئيس بشار الأسد على تحقيق مطالب المتظاهرين لكنهم رفضوا وأصروا على إسقاط النظام تلبية لطلب أميركي إسرائيلي خليجي.

ومع أحقية حزب اللـه بالحيطة والحذر من الأدوار المشبوهة إلا أن واجب ملاقاة مطالب الناس ولو بالحد الأدنى أمر بغاية الأهمية، لأنه يعطي العهد الرئاسي والمقاومة فرصة الفرز بين البريء والخبيث من المتظاهرين ويعطي صورة جلية بأن العهد وحزب اللـه أقدموا على تلبية مطالب الناس استجابة لصوتهم ولكرامتهم ورفعوا الغطاء عن الفاسدين.
الملاحظ هو غياب رئيس مجلس النواب نبيه بري والانكفاء عن إطلاق المبادرات الإيجابية التي تعودنا عليها.

وأمام هذا المشهد وحرصاً على العهد وعلى المقاومة نرى أنه لا بد من الإقدام على تسوية وطنية فورية تنقذ لبنان من عبث العابثين ومن كيد الكائدين.

– الإقدام على تعديل حكومي واسع وإدخال أسماء جديدة للحكومة تكون مقبولة من المنتفضين «بهدف فصل الحراك المطلبي عن الحراك الممول والمشبوه».

– إعطاء الحكومة المعدلة صلاحيات واسعة لتسهيل تنفيذ القرارات الإصلاحية.

– إجراءات فورية بإصلاحات إدارية على مستوى إدارات الدولة كافة.

– رفع الحصانات النيابية والوزارية والبدء برفع السرية المصرفية ومحاسبة الفاسدين منهم.

– تبيان مكامن الهدر والعمل الجدي على وقفها.

– إطلاق يد القضاء دون تدخلات سياسية.

– إقرار مبدأ التوظيف حسب الكفاءة والخبرة وليس حسب الانتماء الطائفي أو الحزبي.

لبنان دخل مرحلة حساسة تضعه تحت المجهر فإما الحفاظ على حكومة الفساد المستشري وإما الفوضى ومواجهة التجاذبات الإقليمية لتحقيق ما عجزوا عن تحقيقه بالحرب.

(الوطن)

مقالات ذات صلة