هل حان دور الجيش اللبناني بالاستهداف؟ 

ثلاثية '' الجيش والشعب والمقاومة'' أثمرت حصنا جيدا للوطن في مواجهة الأطماع الإسرائيلية والإرهاب التكفيري

===كتب سامي كليب

تمتع الجيش اللبناني بمحبة كبيرة من معظم اللبنانيين وأنا منهم، ونعتزُّ به، لأنه يشكّل الضمانة الوحيدة للوحدة الوطنية الحقيقية. ثم انه يرتبط أيضا بعلاقة عضوية بمفهوم المقاومة بحيث أن عقيدته لا تزال تعتبر أن إسرائيل عدواً. وقد أثمرت ثلاثية ” الجيش والشعب والمقاومة” حصنا جيدا للوطن في السنوات الماضية في مواجهة الأطماع الإسرائيلية والإرهاب التكفيري، وأدى التعاون الأمني والاستخباراتي بين هذه الأطراف الثلاثة الى نتائج ممتازة، نذكر منها مثلا أنه في خلال ٧ سنوات تم القاء القبض على ٢٤ عميلا لإسرائيل، كان حزب الله قد بلّغ الجيش عن ١٨ منهم فقط في منطقة الجنوب. لكن الجيش اللبناني يتمتع أيضا بعلاقات ممتازة مع الدول الغربية وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية التي وان كانت لم تعطه حتى الآن أي سلاح رادع لإسرائيل الا ان مساعدتها له دائمة وكذلك عمليات التدريب وغيرها. وقد نشط هذا الاهتمام الأميركي كثيرا في السنوات القليلة الماضية.

الآن يعيش الجيش اللبناني حالة من القلق بسبب تسريبات وتصريحات تقول إن القسم المتعلق به من الميزانية اللبنانية الجاري بحثها الصعب في الوقت الراهن معرّض للتشذيب، وانه يمكن المساس بمبالغ التعويضات وغيرها لضباطه. أدى ذلك الى نزول بعض الجيش في الشوارع معبّرا عن استياء، ومحذّرا من المساس به.

صحيح أن شيئا لم يُقرّ حتى الآن، لكن ثمة ما يثير القلق فعلا، ويدفع أي مراقب لطرح السؤال التالي: هل حان وقت استهداف الجيش اللبناني؟ وإذا نعم، فلمصلحة من هذا الاستهداف؟

تنقسم الآراء حول الأمر. فثمة طرف يقول ان الأمر لا يتعدى الأسباب الداخلية، حيث ان لبنان المعرّض للإفلاس بسبب سوء إدارة اقتصاده ومؤسساته منذ سنوات، ونهب معظم ساسته للشعب، مضطر لإجراء تخفيضات في كل ميزانيات المؤسسات بما فيها الجيش لكي يحصل على المساعدات الدولية ويلبي شروط البنك الدولي ومؤتمر سيدر الدولي الذي عُقد في باريس. ثمة طرف ثان يربط الأمر بمناكفات سياسية داخلية لا تغيب عنها العوامل الشخصية. أما الطرف الذي ينظر الى أبعد من لبنان، فيرى في الأمر أسبابا أكثر خطورة.

أنا شخصيا أميل الى الطرف الثالث حتى ولو قبلتُ بأن لبنان مضطرٌ لمراجه كل ميزانياته والهدر فيها، لماذا؟

أولا: لو راقبنا المحيط العربي خصوصا ذاك الذي ضربه ما وصف بالربيع نرى: ان الجيش حسم الأمر في تونس ومصر لصالح التحرك الشعبي وأسقط نظامين. وقبلهما الجيش العراقي أعيد ترتيبه بمقاسات أميركية فور الاجتياح وأقصي عنه البعثيون. بينما في اليمن انقسم الجيش بانقسام البلاد بين الحوثيين والرئيس علي عبدالله صالح من جهة وخصومهم من جهة ثانية قبل أن يقتل الحوثيون الرئيس. وفي سوريا بقي معظم الجيش الى جانب القيادة فكسر المعادلة التي كانت تريد اسقاط النظام. وحاليا نرى في الجزائر ان الجيش حسم الأمر لصالح الناس بإقصائه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وفي السودان أيضا عبر اقالة الرئيس عمر حسن البشير. وفي ليبيا يبرز الجيش مرة جديدة في سعي مدعوم من دول خارجية لحسم الأمر عسكريا. بمعنى آخر، ان الجيوش العربية تحتل بشكل عام المشهد الأمني والسياسي بامتياز في وقتنا الراهن.

ثانيا: تأتي هذه الخضة بشأن الجيش اللبناني، متزامنة مع تسريع خطوات صفقة القرن، ورفع وتيرة المساعي لترسيم الحدود البرية والبحرية بين لبنان وإسرائيل، على اعتبار أن الترسيم يسحب ذريعة استمرار المقاومة، لأنه ينهي مناطق الصراع.

ثالثا: المطلوب غربيا من لبنان، المساهمة في تطويق حزب الله وشل قدرته على التأثير في القرارات الأمنية والسياسية. لذلك تفاقمت العقوبات الاميركية بعد وسم الحزب بالإرهاب من قبل أطراف غربية كثيرة وأيضا عربية. لكن الحزب الذي تعاظمت قدراته العسكرية في السنوات التي أعقبت دحره المحتل الإسرائيلي بالتعاون مع الجيش اللبناني وعبر احتضان شعبي لافت، عاد من حربه السورية أكثر تأثيرا في القرار رغم تواضع مطالبه بالمناصب. وفي الوقت نفسه تراجعت وتيرة الفتنة المذهبية في العمق العربي والتي كان يراد منها تطويق المقاومة بشكل عام. رغم ذلك فان قسما من اللبنانيين لم ولن ينسى أن الحزب قام بتحرك أمني داخلي في ٧ أيار ٢٠٠٨ في قلب بيروت وضواحيها ولا يقبل هذا القسم مبررات الحزب الأمنية التي طرحها أكثر من مرة. ثم أن ثمة طرفا آخر في لبنان كان يُمني النفس بمواجهة الحزب، ويقال انه ساهم في اقناع السعودية آنذاك باحتجاز الرئيس الحريري.

السؤال الاول وسط هذه التطورات الاستراتيجية الكبيرة. هل المطلوب الآن تفكيك العلاقة العضوية بين الجيش والمقاومة والعمق السوري؟ أم المطلوب رفع مستوى النقمة عند الجيش لكي يعيد تذكير الجميع بدوره المحوري في الوطن، ويفيد من تجربة الجيوش العربية رغم حساسية الشأن اللبناني واختلافه عن الشؤون العربية الأخرى نظرا للعصبيات الطائفية والمذهبية والسياسات الغرائزية؟

السؤال الثاني: إذا ما كان التضييق على الجيش اللبناني مقصودا، ووجد أن الأطراف التي يعتمد عليها بقيت صامتة أو قبلت بالمساس بشروطه المعيشية المعنوية، هل يقدم على خطوة أكبر في الوطن معتمدا على الالتفاف الشعبي حوله، حتى ولو اصطدم بمن يعتبر أنه سلّفهم الكثير في مواجهتهم مع اسرائيل؟

هذه مجرد أسئلة وهواجس أريد أن اطرحها في هذه العجالة، لكي أساهم مع غيري من المحبين للجيش والحريصين عليه وعلى الوطن، بأنه قد يكون في الأمر ما هو أخطر من مجرد حسم بعض التعويضات. فالمحيط العربي ملتهب، والمطلوب شل أو تحييد ما بقي من قوى مواجهة لصفقة القرن، مهما كلّف الثمن. والمطلوب اذا وخصوصا فك التحالف العضوي بين الجيش والمقاومة. وثمة اطراف ثالثة قد تدخل على الخط

لذلك أقول: ان جيشنا الوطني يجب أن يبقى خطاً أحمر. فابحثوا عن أمر آخر لمعالجة الميزانية، واذا كان لا بد من التخفيض، فلتكن المبادرة من قيادة الجيش وليس من السياسيين الذين لا يثقف اللبنانيون بهم كثيرا.

مقالات ذات صلة