نحن بأمس الحاجة للسلام الذي كان يدعو إليه غاندي/ (*) فؤاد مخزومي

يقول المهاتما غاندي “ما همّ القتلى واليتامى والمشردين، إذا كان التدمير الجنوني حصل باسم الحكم الشمولي أو باسم مقدسات مثل الحرية والديمقراطية أو حتى الدين؟”.

فبالنسبة لغاندي، يستحيل تحقيق السلام الدائم من خلال العنف.

لذا وهب المهاتما غاندي حياته لنشر مفهوم اللاعنف، إذ كان على يقين أن ثقافة السلام وحدها تستطيع تحقيق الاستقرار والنمو الاجتماعي والاقتصادي للشعوب. وأظهر لنا من خلال أعماله أن الطريق نحو السلام ينطلق من التفاهم والمسامحة وقبول الآخر والعدالة وما أطلق عليه اسم “الحب العالمي”، فهو يرى أن “اللاعنف سلاح القوي”.

فيما نلقي كلمتنا اليوم في هذه المناسبة العزيزة، هناك آخرون في منطقتنا يعدّون أسلحة القنص وبنادق الكلاشينكوف والـ”أم 16″ والـ”أم “240، والصواريخ والمتفجرات. فلا يكاد يمرّ يوم من دون أن تتداول وكالات الأنباء مشاهد وصور الموت والدمار في أكثر من بلد عربي. لم تكن هذه رسالة “الحب العالمي” التي تحدث عنها غاندي.

أصدقائي، يعزّ عليّ أن أقرأ عليكم الأرقام التالية. فأنا اللبناني الذي أمضيت سنوات طويلة من حياتي في العديد من الدول العربية، كان أحبّ على قلبي أن أتحدث عن أرقام أخرى، عن أرقام مشجعة، لكن حتى نغيّر الواقع، لا بدّ أن نواجهه أولاً..

يضمّ العالم العربي 5% فقط من مجمل سكان العالم، مع ذلك يسجل:

– 57% من إجمالي الوفيات الناجمة عن أعمال قتالية في العالم

– 55% من إجمالي اللاجئين في العالم

– 48% من إجمالي الهجمات الإرهابية في العالم

– 41% من إجمالي النازحين داخلياً في العالم

– 38% من إجمالي المقاتلين الأجانب في سوريا والعراق

– 15% من إجمالي النزاعات التي شهدها العالم بين 1948 و2017

ولهذا السبب، اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحن بأمس الحاجة للسلام الذي كان يدعو إليه غاندي. فنحن مطالبون بتطبيق تعاليم المهاتما الراحل لأن كافة أنواع العنف الذي نواجهه في يومنا هذا تحت شعار السلام لم تجلب إلا الويلات ولم تحقق أي سلام.

فحتى لبنان الذي سبق ونال حصته من العنف، يعاني اليوم من أزمة اقتصادية تهدد أمنه المعيشي والسبب الأول هو الفساد… الفساد الذي ينخر في جسد المؤسسات اللبنانية.

إن الحاجة اليوم ملحة للتعاون على التخلص من هذا المرض العضال لنحقق انقاذاً للاقتصاد، ونهضة تدعم الأمن والسلام الاجتماعي ونصل بلبنان إلى بر الأمان.

إن المنهج التعليمي هو من أكبر التحديات التي يواجهها لبنان.

يقول المهاتما غاندي: “يجب أن يتوافق التعليم الحقيقي مع الظروف المحيطة، أو أنه لن يساعد على النمو الصحي”. لكن ما نراه اليوم في لبنان هو تعليم لمجرد التعليم، بدون أي اعتبار للظروف المحيطة ومتطلبات القرن 21.

فما الجدوى من تخريج أطباء ومهندسين ومحامين كما في القرن الماضي إن كان تفوقهم العلمي لا يلقى حاجةً إليهم في سوق العمل؟

ما الجدوى إذا كان ذلك سيؤدي إلى مستويات بطالة عالية في صفوف شبابنا. فهؤلاء المتخرجون الجدد يشعرون بالضياع، منهم من يشكك بنفسه ويسألها ما الخطأ الذي ارتكبه. هذا ليس عدلاً تجاههم ولا تجاه وطننا.

المطلوب إجراء تعديلات جوهريّة على النظام التعليمي بشكل عام ليتناسب مع الاقتصاد الرقمي فقد أصبح اللبنانيون خارج القرن الواحد والعشرين من خلال المناهج “العتيقة” والتي نكتفي أحياناَ بـ”ترقيعها”.

لذا من الضروري اليوم في لبنان تحديث المناهج التعليمية والقيام بتغيير جذري في النظام التعليمي والاستثمار في الثروة البشرية.

جميعنا، شعب وحكومة، مدعوون لمساعدة لبنان على تجاوز هذا التحدي.

ونحن في مجموعة مخزومي نهتم أيّما اهتمام بالتعليم، فعدا عن ما تقوم به مؤسسة مخزومي من تعليم وتدريب وتمكين للشباب والمرأة، أسست في كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت “مبادرة رامي مخزومي لحوكمة الشركات”، وأنشأت في الجامعة اللبنانية الأميركية “مركز فؤاد مخزومي للابتكار”.

في الختام أشكر سعادة السفير الهندي الدكتور أجاز خان الذي منحني هذه الفرصة لأتحدث عن شخصية أثرت بالعالم أجمع، وباتت نموذجاً في الكفاح من أجل السلام الذي نتمنى أن يعمّ ليس لبنان ومنطقتنا العربية فحسب، بل جميع دول العالم.

سيداتي وسادتي، نحن في الشرق الأوسط يمكننا تعلم الكثير من هذا الرجل الذي كان يعتبر نفسه هندوسياً ومسيحياً ومسلماً ويهودياً وبوذياً وكونفوشياً في آن واحد.

وكلي أمل بأن نستلهم من روح غاندي ودعوته لقبول الآخر والتسامح والاحترام من أجل حلّ أزمات هذه المنطقة والعالم.

(*) كلمة النائب فؤاد مخزومي في حفل السفارة الهندية في ذكرى ولادة المهاتما غاندي في 1 تشرين الأول 2019

مقالات ذات صلة