استراحة مع الفن

نحن جيل الإعلاميين الذين مارسوا المهنة أكثر من 50سنة لم نشهد انحدارا في السياسة كما هو اليوم

استراحة من السياسة هذه المرة. فكثيرون سئموا أخبارها وملّوا من رجالاتها، خصوصاً سخافات بعضهم وامتهانهم الكذب والخداع واللف والدوران، والذين لم يكتفوا بذلك بل عمدوا الى “النطنطة” والالتفاف على آرائهم ومواقفهم بلمحة بصر. فما كانوا يرونه أبيضاَ أضحى سوداوياً بين ليلة وضحاها. ولا غرابة اذا ما قلنا، نحن جيل الاعلاميين الذين مارسوا المهنة قبل أكثر من 50 سنة، أننا لم نشهد مثل هذا الانحدار والتقهقر والتراجع في الحياة السياسية كمثل الذي نشهده  اليوم. انه الزمن الرديء بالفعل. لذلك منحت نفسي إجازة من الانخراط في هذه الاجواء الموبؤة المملة والمقززة للنفس، والتي نتحسّر فيها على أيام الزعماء الكبار ورجالات الدولة المميزين والمقتدرين.

لجأت الى الفن.. الفن الجميل والأصيل بالتأكيد، والذي تحمل مفكرتي روايات ومشاهدات ومئات القصص عنه والتي عايشت الكثير منها بنفسي.

ما حداني الى “نبش” الماضي المشرق إعادة لحوار تلفزيوني أجراه الاعلامي المتألق والمبدع عادل مالك، أطال الله في عمره، مع الفنانين العملاقين الراحلين فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ في” تلفزيون لبنان” العام 1968, تم عرضه الأسبوع الماضي على محطة “فن” التابعة لشركة “ART”  لصاحبها الشيخ صالح كامل.

في تلك المقابلة، التي اعتبرت يومها سبقاً صحافياً حققه الزميل مالك بجمعه فريد و”حليم” معاً وللمرة الأولى ،كما ذُكِر، وهما اللذان ذاع صيتهما وبلغا شهرة تعدت الوطن العربي لتصل الى دول أميركا وأوروبا حيث كانت لبعضها حصة من حفلاتهما خصوصاً في فرنسا.

في حوارهما التلفزيوني الراقي هذا أزالا من الأذهان كل ما كُتب وذُكِر حينذاك عن خلاف مستفحل بينهما بلغ حد الكراهية والعداوة، كما روّج صحافيون فنيون في الصحف المصرية في مقالالتهم وأخبارهم، التي سرعان ما تلقفها زملاء لهم في لبنان، حيث كانت المجلات الفنية تلقى رواجاً ملحوظاً، أمثال “الشبكة” و”ألف ليلة وليلة” و”الموعد”، وتدر أرباحاً مالية على أصحابها، الذين كان المطربون والممثلون اللبنانيون والعرب يحسبون لهم ألف حساب.

فقد أقسم كل من فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ أمام المشاهدين، أن لا شيء مما قيل عن العلاقة المضطربة بينهما صحيح. وأقر كل واحد منهما بأسلوبه، وعلى طريقته، بأنه لا يكن للآخر سوى الودّ والتقدير والاحترام. وأذكر أن “حليم” خاطب فريد بالقول “أنا أفرح وأُسعد عندما تحيي الحفلات وتبدع فيها. وأستمتع حين تشدو بأغنية جديدة وأتابع كل لحن لك بدقة وإصغاء تامين”. وردّ من تلقى الإطراء التحية بأفضل منها. إذ بادر الجالس في مواجهته الى التأكيد بأنه معجب بكل ما قدمه “العندليب الأسمر”. وهو بدوره متابع لأعماله الفنية وينتابه شعور بالفرح حين يتلقف أخبار عن تحقيق أغنية له رقماً قياسياً في المبيعات. ولكي يُقرِن القول بالفعل استغل الزميل مالك هذا المديح المتبادل بين الفنانين فطلب من كل منهما “تسديد” قبلات على خد الآخر، الأمر الذي تلقفاه بسرعة وقاما من على مقعديهما وتبادلا القبل والعناق.

هذا المشهد “النادر” أعاد بذاكرتي سنيناً الى الوراء، والى “بيسين عاليه” بالتحديد، الذي كان يقيم حفلاً فنياً لعبد الحليم حافظ بالاشتراك مع الراقصة الراحلة نجوى فؤاد، وقد تسنى لي الحصول على ثلاث بطاقات من متعهد الحفل الراحل يوسف الحاج الذي كان يودّني لاهتمامي بأخباره ونشاطاته ونشرها في مجلة “الحوادث” التي كان فيها انطلاق مسيرتي في عالم الصحافة.

في تلك الليلة طالت الفقرة الراقصة التي أدتها نجمتها. وامتدت لأكثر من ساعة ونصف مما أثار الملل وتساؤلات الحاضرين. وحين هممت وتوجهت خلف الكواليس لملاقاة متعهد الحفل وسؤاله عما يحصل أمسك بيدي قائلاً: “جهز كاميرتك لكن بشكل خفي وسِرّ معي”. ففعلت وإذ بي أرى سيارة اسعاف وبداخلها عبد الحليم حافظ مستلقٍ على السرير يتلقى حقنة خاصة تزيل عنه الحرارة التي بلغت ما يقارب الأربعين مئوية.. وهذا ما حصل وأدى مفعولها بعد أقل من ربع ساعة الى استعادة “حليم” نشاطه فصعد الى المسرح وأدى أغنيتين “موعود” و”فاتت جنبنا” استغرقتا ما يقارب الثلاث ساعات قوبلتا بالتصفيق والهتاف من دون أن يدري أحد أن من يُطرب الجمهور الآن كاد يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة “البلهارسيا” التي فتكت بجسمه النحيل.

مع فريد الأطرش كان الأمر مشابهاَ لكن مع اختلاف في التفاصيل والوقائع، التي أودت بنا الى أحد استوديوهات التسجيل في منطقة الحمراء، ومع يوسف الحاج، الذي كان اتفق مع صاحب أغنية “جميل جمال” على احياء حفل في “بيسين عاليه” أيضا. وهذا ما يتطلب استعدادات و”بروفات” مع الفرقة الموسيقية حضرتُ احداها “خفية”. ورحت أراقب فريد الأطرش وهو يغني “عش انت” ويتصبب عرقاً ممسكاً بعوده تارة وواضعاً يده اليمنى على قلبه تارةً أخرى، يشكو ألماً فيه ويطلب من الفرقة استراحة لدقائق قبل أن يعاود العزف والغناء.

من داخل “الاستوديو” سمعته يقول للحاج “لا تخف حبيبي.. لن أخذلك وأعتذر عن المشاركة في الحفل. بل سأصعد المسرح وأغني ولن يمنعني شيء من فعل ذلك الا الموت”.

نعم هذا انموذج لفنانين كبيرين لطالما أطربانا وأنعشا آذاننا حتى يومنا هذا. وما فتئنا نلجأ الى صوتيهما الشجيين ونتسمر أمام محطة تلفزيونية تعرض أغنية لهذا أو ذاك. وتنسينا، ولو لدقائق، هذا الفن المبتذل والغناء البشع الطاغي اليوم الذي بات مؤديه يعتمد على القفز و”الشخلعة” أكثر من اعتماده على الطرب والصوت الذي يلتصق بالمذياع لا كما كان يحصل على أيام “كوكب الشرق” أم كلثوم التي كانت تبتعد عنه ما يقارب النصف متر.

(عن “البيان” الطرابلسية)

 

مقالات ذات صلة