الوصاية الأميركية تخنق لبنان اقتصاديا/ غالب قنديل

خلال السنوات الأخيرة فرضت الولايات المتحدة على لبنان طوقا قاسيا كانت العقوبات المصرفية والمالية إحدى ادواته وهي بالحقيقة من حيث مفاعيلها ونطاق تأثيرها كانت أوسع بكثير من استهداف مؤسسات المقاومة الإعلامية والإنسانية والصحية والتربوية يمكن لنا إيراد بعض محاورها الواضحة التي عززت الانكماش الاقتصادي وفوتت فرصا كثيرة على الاقتصاد اللبناني :

أولا حرمان لبنان من الاموال والودائع السورية والعراقية التي نزحت بنتيجة الحروب التي قادها الأميركيون وهم دفعوا اموال وأرصدة نازحة من سورية والعراق تقدر بالمليارات إلى مصارف دبي ولندن ونيويورك بدلا من بيروت عبر قيود وسدود نفذها مصرف لبنان لعدم استقبال كميات كبيرة من الودائع النازحة وحتى القسم القليل منها الذي دخل في دورة النظام المصرفي اللبناني يخضع حتى اليوم لقيود تمنع أصحاب الودائع من التصرف بها فوفق بعض التقارير ثمة مليارات لمودعين سوريين في بنوك لبنانية يمنع على أصحابها سحب مبالغ نقدية كبيرة لأن الولايات المتحدة تخشى انتقالهم بها إلى سورية.

ثانيا لا يقول لنا المستميتون في تسويق كذبة الصداقة اللبنانية الأميركية من المسؤولين والسياسيين لماذا مارست الولايات المتحدة سياسة منهجية لحرمان لبنان من فرص أن يكون متنفسا إقليميا مصرفيا وتجاريا لسورية وإيران من العقوبات الاقتصادية والمالية الأميركية كما تفعل مع تركيا والعراق وإمارة دبي وسلطنة عمان والأردن علما ان لبنان بقطاعيه المصرفي والتجاري يملك مزايا كثيرة من أهمها القرب الجغرافي لسورية والخبرات المالية والتسويقية والسواحل المناسبة لإنشاء منافذ تكرير النفط وتسويقه وهل يمكن فصل هذا التوجه الأميركي المفضوح عن وجود رغبة أميركية صارمة باستنزاف لبنان وأخذه رهينة الاعتلال الاقتصادي والمالي تحت وطأة الديون والفوائد لإرغام سلطته السياسية على الخضوع لقيود الوصاية ؟

ثالثا منظومة العقوبات لاتحرم لبنان فحسب من مزايا الشراكات الاقتصادية والتجارية والمصرفية مع سورية وإيران بل هي تسعى لتجفيف واحد من اهم موارد الثروة والطاقة الاقتصادية اللبنانية وهي أموال المغتربين ومؤسساتهم الاقتصادية في الوطن والمهاجر.

سبقت هذه العملية بعقود ولادة وتأسيس المقاومة الذي يتخذ الأميركيون اتهام أي كان بالقرب منها ذريعة لتوسيع دوائر العقوبات المصرفية والمالية ضد الودائع والاستثمارات بذريعة محاصرتها ماليا بناء على اتهام المقاومة بالإرهاب وحيث المعايير الأميركية تشرع العدوان الصهيوني السافر وتحرم المقاومة وتجرمها ولبنان الرسمي يذعن لنتائج هذا المنطق العداوني المنافي لأي عدالة قانونية أو إنسانية افتراضية.

رابعا المنع السياسي الأميركي يحول دون أي تطوير للعلاقة اللبنانية بالعراق اقتصاديا وتجاريا ونفطيا مع أن هذا البلد الشقيق كان الشريك التجاري الأول للبنان خلال العقود الماضية ويمكن أن يكون ميناء طرابلس اللبناني مجددا هو النافذة المعتمدة للصادرات العراقية من النفط والمشتقات النفطية من خلال تفعيل مصفاة طرابلس وتأهيل انبوب النفط بين العراق ولبنان في حين آثر المخططون الأميركيون وهب الميزة النفطية العراقية للأردن بدلا من لبنان ورغم الاستعداد العراقي لإحياء الشراكات الاقتصادية والمصرفية والتجارية والسياحية مع لبنان كما برهنت محطات سياسية عديدة لم تنفذ أي نقلة عملية بسبب الكبح الأميركي والاعتراضات الأميركية والغربية المكثفة في بغداد وبيروت المنشغلة بارتباكات مالية ثقيلة ليس الأميركي بريئا منها.

خامسا نكرر السؤال الذي لم يجب عليه احد عن سبب صمت القبور الذي يرون في لبنان حول مبادرة الحزام والطريق الصينية وما توفره من فرص التمويل والاستثمار المتكافئة وهل ما يفسر ذلك غير الحظر الأميركي على أي انفتاح لبناني على شراكات في الشرق سواء كان مع سورية القريبة ام مع الصين التي لم تعد بعيدة وقد وصل قطارها السريع إلى طهران وقريبا سيبلغ دمشق وبغداد ولم يسع احد لوصله ببيروت والأكيد أن اوصياء سيدر سيحرصون على تأخير خطوة كهذه ومنعها إن استطاعوا بقوة الزجر الأميركي الشرس الذي بلغ حد وصف البوادر الصغيرة التي لا يعتد بها بتهديد الأمن القومي الأميركي كتسهيل مسعى شركة صينية ضخمة للإعمار لإستحداث محطة إدارية لنشاطها داخل سورية في الأراضي اللبنانية.

سادسا جميع أدعياء السيادة يعلمون أن التنكيل بالأشقاء الفلسطينيين هو جزء من مشروع التهجير والتوطين الذي يستهدف تصفية قضيتهم وشطب حق العودة وهو مرتكز ما يسمى بصفقة القرن وكذلك يفهم هؤلاء الغيارى ان اعتراض حملات إعادة الأشقاء السوريين التي يقودها الأمن العام اللبناني ليس بعيدا عن المشيئة الأميركية بمواصلة ابتزاز لبنان والضغط على الدولة الوطنية السورية سياسيا واقتصاديا وبالتالي ففي الملفين تصرف عدائي أميركي واوروبي يناقض المصالح اللبنانية والعربية المشتركة وأضعف الإيمان هو موقف لبناني جدير بالدفاع عن تلك المصالح ورفض الرضوخ للابتزاز الأميركي الغربي وهذا ما لم يتحول إلى موقف لبناني رسمي واضح بسبب التوازن السياسي الداخلي ومواقف بعض الأطراف والجهات اللبنانية المرتبطة بالمحور الأميركي في المنطقة وإذا كان استنزاف النزوح عبئا اقتصاديا في نظر بعض اللبنانيين فمن هي الجهة التي تمنع الحل الطبيعي والعملي لهذه المشكلة غير الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؟.

مقالات ذات صلة