مجددا حول مقاومة العقوبات الأميركية/ غالب قنديل

خصص قائد المقاومة سماحة السيد حسن نصرالله فقرة من خطابه الأخير حول العقوبات المالية والمصرفية الأميركية التي تستهدف لبنان داعيا إلى مواجهتها في صياغة جديدة لموقف المقاومة التي درجت قيادتها في السابق على إعلان استعدادها للمجابهة منفردة وتحمل التبعات وحصر النتائج وهي تعفي الآخرين من أي مسؤولية فلا تطلب منهم شيئا.

هذا التطور في الموقف السياسي جاء مواكبا لموجة العقوبات المشددة التي تقودها إدارة دونالد ترامب ضد محور المقاومة مجتمعا بكل شراسة ولا يقلل من خطورة تأثيرها الاعتراف الأميركي بفشلها في التأثير على الخيارات السياسية لسائر اطراف المحور التي قال دنيس روس في مقالة نشرتها الواشنطن بوست كتبها روس بالاشتراك مع المسؤولة السابقة دانا سترول إن الحصيلة الوحيدة للعقوبات المشددة هي ان الأموال باتت أقل لدى إيران وسورية وحزب الله والحشد الشعبي العراقي وحركة انصار الله في اليمن التي تواصل جميعا نشاطها بكل وضوح ضد السياسات الأميركية في المنطقة.

اعترف دنيس روس بأن هذه الجهات المستهدفة بالحصار والعقوبات المشددة تبدو مصممة على خياراتها وتعيد ترتيب اولوياتها لتحتفظ بقدرة عالية ومستمرة على مواصلة العمل والصراع لإفشال الخطط والمشاريع الأميركية وهي في الواقع خطط ومشاريع استعمار وهيمنة ونهب تمثل إسرائيل قاعدتها العدوانية المركزية منذ عشرات السنين .

على هذا النحو يعترف هذا الدبلوماسي السابق والمشارك الرئيسي في غرف التخطيط الأميركية التابعة للوبي الصهيوني بصلابة الإرادة عند جميع اطراف المحور التحرري المقاوم في هذا الشرق وهنا لابد من مناقشة منهجية التعامل مع العقوبات في لبنان التي سبق لي ان أثرتها في مقالات سابقة واعتبرتها شكلا لوصاية استعمارية ينبغي النضال للتحرر منها والعمل لتحقيق هذا التحرر هو واجب سيادي وضرورة لبناء شروط لائقة لحياة اقتصادية واجتماعية ومالية خارج الهيمنة الاستعمارية.

أولا كان الخطأ اللبناني الأفدح هو الرضوخ للكذبة الأميركية الصهيونية عن كون العقوبات تستهدف فريقا سياسيا لبنانيا هو حزب الله وساهم العديد من المسؤولين بذلك في طمس جوهر العقوبات التي تمثل اعتداءا سافرا على السيادة الوطنية وتنطلق من اتهام اللبنانيين الذين قاوموا الاحتلال الصهيوني لتحرير الأرض والدفاع عن الوطن بالإرهاب وترتب على هذا الاتهام نتائج تستهدف فرض عزلة داخلية مشددة على كل ما يمت لخيار المقاومة بصلة او بعلاقة مادية او معنوية او اجتماعية او ثقافية او سياسية عقابا على تحدي المشيئة الصهيونية الغربية .

هذه العقوبات ليست سوى فصل جديد من استهداف اميركي صهيوني قديم لقطاع لبنان المصرفي انطلق منذ ازمة إنترا التي شكلت تعبيرا عن قرار أميركي صهيوني بحرمان المصارف اللبنانية من ودائع النفط العربية والاستئثار بها في مصارف الغرب ومن بعدها احاطت الشبهات المتجددة بعمليات تدمير منهجي للبنوك اللبنانية المرتبطة بالاغتراب الذي يمتلك نواة طاقة مالية جبارة وقوة اقتصادية مهمة.

ثانيا العقوبات هي أداة عملية لفرض شرخ بين اللبنانيين بقوة تهديد المصالح المباشرة المستهدفة لشرائح متزايدة الاتساع من اللبنانيين لفرض الرضوخ للهيمنة الأميركية الصهيونية وبالتالي نحن امام عدوان مكشوف على السيادة الوطنية اللبنانية وعقاب جماعي خطير ضد من يساندون خيار مقاومة العدو الصهيوني والاحتلال الصهيوني وتحدي المشيئة الأميركية الغربية دفاعا عن سيادة واستقلال لبنان وعن حق شعبه في الحياة وعن الوحدة الوطنية لهذا الشعب وقد كان استخدام الرئيس ميشال عون لتعبير الاستعمار المالي الأميركي دقيقا في توصيف العقوبات وهو يوجب تعيين سبل مقاومة هذا الاستعمار والتحرر منه.

ثالثا آثرت الحكومات اللبنانية المتعاقبة اعتماد خيار الخضوع للعقوبات وتسترت في ذلك باستغلال انتهازي ومشبوه أحيانا لمواقف قيادة حزب الله التي اظهرت استعدادا لتحمل التبعات منفردة وهذا التكيف الرسمي شكل خضوعا لمشيئة اميركية يعلم المسؤولون انها تخدم العدو الصهيوني وتستهدف لبنان واقتصاده وشعبه في الصميم وقد تم تبريره بالسطوة المالية الأميركية في العالم.

ثمة فارق شاسع بين الخضوع وبين التكيف والاحتواء بمعنى اعتماد السبل المناسبة لتقليص ضررالعقوبات ولحماية ما امكن من المصالح الوطنية فالنهج الرسمي اللبناني الخاضع فتح ثغرات داخلية خطيرة منها وقوع مؤسسات رسمية لبنانية تحت الإمرة الأميركية المباشرة وشق قنوات اختراق معلوماتية وتجسسية ماليا واقتصاديا على حساب الامن الوطني في خدمة العدو الصهيوني بواسطة ادوات العقوبات المصرفية التي تفرض ضد لبنان وقطاعه المصرفي وضد المصالح اللبنانية المشتركة مع سورية والعراق وإيران من خلال المصارف اللبنانية.

رابعا إن الاختيار بين المقاومة والخضوع لا ينبغي ان يكون موضع التساؤل والبحث في القضايا السيادية التي لا تحتمل أي كسر لمعاييرها فلا نصف سيادة ولا ربع سيادة ولا ثلث فإما سيادة كاملة وإما سيادة منقوصة وهذا المبدأ الذي حكم نضالات المقاومة لتحرير الأرض من الاحتلال الصهيوني هو ما يفترض اعتماده في مقاومة الاستعمار المالي وبكل وضوح بدءا من رفض المعايير التي اتهمت على أساسها المقاومة بالإرهاب وصولا إلى ما رتبته الإمبراطورية الاستعمارية الأميركية على ذلك من نتائج.

لا مبرر منطقيا سوى تحاشي العتب واللوم والتقريع الأميركي للإحجام عن إقرار قانون لبناني سيادي يبطل ذرائع العقوبات ويكرس شرعية المقاومة دستوريا وسياسيا كقوة منشئة للسيادة الوطنية وينسف الأسس القانونية الزائفة للعقوبات ويحصن قرار رفضها وعدم الامتثال لموجباتها بدلا من الإذعان الذي صار سلوكا رسميا شاملا في جميع المؤسسات اللبنانية الرسمية والمصرفية والاقتصادية منذ التسعينيات وتحول إلى دفر سوار استعماري صهيوني في قلب لبنان.

مقالات ذات صلة