هذا ما حصل عندنا..

ما شهدناه في الأيام القليلة الماضية لا يبشر بالخير ولا يدل على أن صفحة الحرب إياها قد طويت نهائياً

هناك أكثر من موضوع استرعى انتباهي في الفترة الأخيرة. وأظن أن كل واحد منه يستأهل الكتابة عنه والغوص في سرد خلفياته وتداعياته. لكنني آثرت أن أتناول الواحد تلو الآخر بشكل مقتضب علّني أنجح في رسم صورة واضحة، وإن سريعة، لما جال في خاطري.

أبدأ بكلام رئيس الجمهورية العماد ميشال عون عن العثمانيين ووصفه حقبة من حكمهم لنا بالإرهاب، الأمر الذي أثار حفيظة كثيرين، وحمل البعض منهم على الرد حاملين على ما أورده عون. وثمة من اعتبره مساً بالإسلام والمسلمين. فيما انبرى آخرون للدفاع عن كلام رئيس الجمهورية وشن حملة مضادة على من انتقد موقفه الوارد في رسالة توجه بها إلى اللبنانيين بمناسبة ذكرى مئوية إعلان لبنان الكبير الذي يصادف الأول من أيلول 1920، تمهيداً لانطلاقة الإحتفالات بهذه المناسبة ابتداء من الأول من كانون الثاني 2020 وحتى نهاية السنة.

لا أود إبداء الرأي الخاص في ما حصل وردود الفعل الصادرة من هنا وهناك. لكنني أسجل تحسري على ما آلت إليه الأمور عندنا، حيث ظنَنّا، بعد انتهاء الحرب البغيضة في بلدنا والتي دامت ما يقارب السبعة عشر عاماً، إن النبرة الطائفية والمذهبية قد انكفأت مع الحرب. فإذ بنا نرى أنها تطل برأسها عند كل منعطف ومحطة، لا بل تزداد تشدداً وشراسة، ما يستدعي التنبه له ومعالجته على الفور وهذا ما لم يحصل بعد، علماً أن الرئيس نبيه بري، سبق له، قبل سنوات، أن رفع الصوت مطالباً بإقرار قانون إلغاء الطائفية السياسية، كما نص على ذلك إتفاق الطائف. وما فتئ يكرر النداء ولا من يستجيب. والطريف، لا بل من المؤلم، أن من يوغل في العزف على وتر الطائفية تراه يطالب ويلح بتطبيق الإتفاق المذكور مع كل شهيق وزفير.

ما شهدناه في الأيام القليلة الماضية لا يبشر بالخير ولا يدل أبداً على أن صفحة الحرب إياها قد طويت نهائياً.

الحدث الثاني الذي تابعناه جميعاً وعشنا خلاله على أعصابنا، كما يقال، تمثل بالعداون الإسرائيلي على ضاحية بيروت الجنوبية، حيث وجهت إسرائيل طائرتين مسيّرتين محملتين بمتفجرات قاصدة مقر الإعلام المركزي لـ”حزب الله” الكائن في “حي معوض” المأهول بالسكان والذي تتوزع فيه مجموعة متاجر تشكل سوقاً رئيسية في المنطقة يقصدها الكثيرون من خارجها أيضاً.

شاء لطف الله عز وجل أن تتعطل المسيّرة الأولى وتترنح بعد أن رماها أحدهم بحجر أصابها وجعلها تهوي على سطح القرميد المواجه لنافذة مكتب مسؤول العلاقات الإعلامية في الحزب الحاج محمد عفيف، الذي سبق أن كان مستشاراً إعلامياً للأمين العام السيد حسن نصر الله. ولطالما شاهدناه إلى جانبه مرات عدة أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر يوم جرى التوقيع على اتفاق التفاهم بين الحزب المذكور و”التيار الوطني الحر” ممثلاً برئيسه حينذاك العماد ميشال عون في “مار مخايل”.

طبعاً بات معروفاً أن هناك مسيّرة ثانية كانت تلحق بالأولى، والهدف تفجير الاثنتين، الواحدة تلو الأخرى بغية احداث اضرار فادحة بالبشر والحجر، الأمر الذي لم يتم، فاقتصرت الأضرار على الماديات، وتحطيم مكاتب عدة عائدة للمركز الإعلامي المذكور، خصوصاً في الطابق الثالث، وفي الواجهة الخلفية للمبنى.

الإعتداء الإسرائيلي هذا توحدت إزاءه المواقف الشاجبة والمستنكرة، من القمة إلى القاعدة. وهذا ما فاجأ كثيرين، سواء في الجانب الإسرائيلي أو لدى بعض الدول الكبرى الراعية والحاضنة لكيان العدو.

وقفة مثل هذه، جسّدها كل من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، جديرة بالتنويه والإشادة. ولا بد من التوقف تحديداً عند الرئيس الحريري، الذي كان واضحاً وحاسماً في رفض العدوان والإعلان صراحة أن من حق لبنان الدفاع عن النفس. كما اعتبر أن إسرائيل هي من اخترقت القرار 1701. وهذا ما شكّل حماية لا بل “رعاية” للرد الذي قامت به المقاومة عبر استهدافها عربة عسكرية إسرائيلية محملة بالجنود داخل الأراضي المحتلة، الأمر الذي يحدث للمرة الأولى في سجل المواجهة بين “حزب الله” وإسرائيل. واللافت أن عدداً من وسائل الإعلام الأجنبية ذكر أن موقف الحريري هذا حدا بإسرائيل إلى التراجع و”ضبضبت” الصفعة التي تلقتها إذ تبيّن أن هناك من كان يراهن على خروج الحريري عن الوجهة الرسمية لكن خاب ظنهم وانتصر لبنان.

تبقى مسألة ثالثة، غير سياسية هذه المرة، ما فتئت تقلقنا جميعاً لغاية الإشمئزاز. وهي مسألة النفايات. فقد شهدنا فصولاً جديدة من الإحتجاجات هنا وهناك وهنالك، على عزم الدولة إنشاء مكب أو محرقة. ولامست الأصوات المعترضة أو بعضها توخياً للدقة، الخط الطائفي العالي، وهو متوتر أصلاً، لتزيد الأمور تعقيداً يقف عندها المسؤولون عاجزين عن إيجاد الحل المناسب. وها هي أكوام النفايات مكدسة على الطرقات في بلدة اهدن “عروس المصايف” الشمالية. ولا من حل لها يلوح في الأفق. أما جبل النفايات في طرابلس فبات ثابتاً وكأنه أضحى معلماً أثرياً. ومن هنا السؤال كيف لحكم عجز عن حل هذه المسألة أن يُصلِح في الإقتصاد والمال ما أفسده دهرٌ من التطاول على المال العام و”البعزقة” والهدر و”الإستلشاء” بحقوق الناس وأرزاقهم ولقمة عيشهم.

(عن “البيان” الطرابلسية)

مقالات ذات صلة