نور الهدى ..كيف يمكن لصوت ذهبي أن لا يلتفت إليه الجمهور؟!

في زمن تألقت فيه فيروز ولمع نجم نجاح سلام، واشتهرت سميرة توفيق وعادت صباح من القاهرة نجمة سينما ما الذي أبعدها عن الأضواء؟

======كتب فارس يواكيم

سنوات المجد عشر. بين 1943 و1953 عاشت نور الهدى نجمة يسطع بريقها في دنيا الغناء والسينما في مصر، ومنها إلى العالم العربي، وتغمرها أضواء الشهرة كمطربة محبوبة وبطلة أفلام مشهورة. قبل ذلك العقد من السنين، وبعده عاشت حياة مختلفة. من قبل سعيٌ إلى الشهرة والأضواء، ومن بعد مراقبةُ الأضواء وهي تخفت تدريجياً لصالح الظلال. لكن ما حققته في السنوات العشر كفل لها أمر وجود اسمها في قائمة الأعلام.

لبنانية من مواليد سنة 1924 في مرسين (تركيا)، حيث كان أبوها نقولا بدران مقيماً آنذاك. اسمها ألكسندرا. وعائلتها تتحدر من قضاء الكورة في شمال لبنان، وهي فرع من آل الشماس. ثم استقرت العائلة في بيروت وكانت الطفلة ألكسندرا صاحبة صوت جميل. أبوها يحب الطرب، خصوصاً أغاني عبد الوهاب وفتحية أحمد. وهو ينظم الأزجال، كما أنه أول من أدرك جمال صوت ابنته، لكنه رفض أن تحترف الغناء حين أصبحت في عمر المراهقة. غير أن زوج عمتها بشارة سمعان (أبو الممثلة المعروفة فريال كريم)، شجّعها سرّاً فتلقت دروساً في الموسيقى على يد الملحن خالد أبو النصر اليافي، الذي لحّن لها أول أغنية أنشدتها وهي في الثانية عشرة من عمرها “ليلى إن هجرتك فلن أنساكِ”. وحدث أن رضخ الوالد لآراء صهره وطموحات ابنته، فانطلقت ألكسندرا بدران تغني في مقاهي بيروت وطرابلس، ومن بعد في دمشق وحلب. وكان شرط الوالد أن يرافقها في كل حركاتها وسكناتها ولا يبتعد عنها خطوة إلا حين تقف أمام الميكروفون لتغني.

وفي صيف 1942 كانت نور الهدى تغني في حلب وابتسم لها الحظ ذات ليلة، أخبرتني تفاصيلها. قالت: “طلب مني أبي أن أنتبه جيداً لأدائي لأن الممثل المصري المشهور يوسف وهبي سيأتي ليسمعني! هزّني الخبر فهي أول مرة يكون بين الجمهور نجم كبير ومشهور. وهو كان وقتها مع فرقته يقدم مسرحياته في حلب. وفي يوم الاستراحة (الإثنين)، أراد أن يسهر ويستمتع بالغناء. وبذلت مجهوداً كبيراً لكي أظهر في أحسن مظهر، وغنيّت (يا جارة الوادي) لعبد الوهاب مع ارتجالات تطريبية. وفي ختام الوصلة تقدمت برفقة والدي للسلام على الممثل الكبير. قال إن جمهور حلب إذا أعطى شهادة طيبة في مطرب أو مطربة فمعناها أنها جديرة، تماماً مثل الشهادة التي تمنحها كلية الطب للطالب المتخرج لكي يمارس الطب. أخبروني عنك وبعدما شاهدتك أخبرك بأنك صاحبة صوت جميل فعلاً ووجهك جميل أيضاً، ولسوف أعطيك الفرصة لكي تمثلي في أفلام السينما. بعد عودتي إلى القاهرة سأرسل لوالدك عقد العمل”. لم أنم ليلتها وأنا مذهولة لا أصدق ما حدث، لكن أتمنى طبعاً أن تكون ليلة السعد هذه حقيقية”.

تأخر وصول العقد فساورتها الظنون. لكن الذي حدث آنذاك أن يوسف وهبي كان يستعد لإنتاج فيلم “جوهرة” من بطولته مع ليلى مراد ومن إخراج توجو مزراحي. لكنه اختلف مع المخرج الذي انسحب من المشروع ومثله انسحبت ليلى مراد. عندئذ استدعى يوسف وهبي الفتاة ألكسندرا بدران التي وصلت إلى القاهرة برفقة أبيها طبعاً. أسند إليها بطولة الفيلم الجديد وأطلق عليها اسم نور الهدى.

تم تصوير الفيلم الذي أخرجه يوسف وهبي أيضاً، وعرض في 1943 ونال نجاحاً وعرف الجمهور مولد نجمة جديدة، في لهجتها المصرية رنين نبرة لبنانية، وذاعت شهرة إحدى أغنيات الفيلم “يا أوتوموبيل” التي لحنها رياض السنباطي. أعقب ذلك فيلم “برلنتي”، وهو أيضاً من بطولة وإخراج يوسف وهبي. ثم توالت أفلامها المصرية حتى بلغت 23 فيلماً عُرضت في عموم العالم العربي.

بعد يوسف وهبي، تقاسمت نور الهدى البطولة في أفلام غنائية: مع محمد فوزي في “مجد ودموع”، و”قبلني يا أبي” و”نرجس”. ومع محمد عبد الوهاب في “لست ملاكاً”، ثمّ عبد العزيز محمود في “شباك حبيبي”، وفريد الأطرش في فيلمَي “ما تقولش لحد”، و”عايزة اتجوز”. إضافة إلى أفلام قام ببطولتها نجوم التمثيل كعماد حمدي، وكمال الشناوي، أفلام من إخراج كبار، من بينهم أحمد بدرخان، وهنري بركات، ومحمد كريم، وصلاح أبو سيف.

وفي هذه الأفلام غنّت بألحان الكبار، ومنهم رياض السنباطي: “إلى الحبيب”، و”يا ريت كل الناس فرحانة”، ومحمد القصبجي “يا طول عذابي”، و”قيدوا الشموع”، ومحمد عبد الوهاب في “ما تقول لي مالك محتار”، و”الدنيا ساعة وصال”. وكادت تشارك في غناء “شبكوني ونسيوني”، لكن عبد الوهاب غناها بمفرده. غير أنها غنت دويتو مع عبد العزيز محمود في “شباك حبيبي”، ومع فريد الأطرش عدة أغان ثنائية مشتركة “ما تقولش لحد”، و”قمر الزمان”، وخليني أخرج من هنا”. وغنت بمفردها من ألحانه “إن جيت للحق”.

في 1953 مثلت آخر أفلامها في السينما المصرية. فيلم “حكم الزمان” من بطولتها أمام عماد حمدي، ومحمد البكار، المغني والممثل اللبناني المقيم في القاهرة آنذاك، وهو منتج الفيلم الذي أخرجه بركات. لم يحقق نجاحاً تجارياً. أعقبه “حكم قراقوش” مع سراج منير، وزكي رستم وإخراج فطين عبد الوهاب، ومُني المنتج سراج منير بخسارة مالية فادحة، إذ تكلف 40 ألف جنيه ولم تتجاوز إيراداته 10 آلاف جنيه. وفي المقابل كانت أفلام ليلى مراد وصباح تحقق إيرادات عالية، ففترت حماسة منتجي الأفلام للتعاقد مع نور الهدى، فقفلت عائدة إلى لبنان.

بعدها عاشت نور الهدى في بيروت 45 عاماً، لم تحقق فيها شيئاً يذكر. مثلت فيلماً واحداً سنة 1958 عنوانه “لمن تشرق الشمس” فشل لدى عرضه. وحين قلتُ لها إنني لم أشاهد هذا الفيلم، علّقت باللهجة المصرية “ما تشوفوش وحش”! وبهذا الفيلم انتهى عهدها بالسينما. ولم تقف أمام الكاميرا في ما بعد إلا في ثلاثة مسلسلات تلفزيونية من إنتاج تلفزيون لبنان اختتمت بها ظهورها في الشاشة الصغيرة بعد الكبيرة: “الغريبان”، و”نوارة”، و”قصر الحمراء”.

في مجال الغناء، تصادفت عودتها إلى بيروت مع صعود نجمة صاحبة صوت فريد، لن تلبث أن تصبح مطربة لبنان الأولى: فيروز. وفي عصر الأغنية الرحبانية الفيروزية لم يعد هناك مجال رحب يتسع لنور الهدى، التي عادت تسجل الأغاني للإذاعة اللبنانية حيث بداياتها الفنية، وتعاونت مع ملحنين لبنانيين معروفين كزكي ناصيف وحليم الرومي وتوفيق الباشا وخالد أبو النصر وسواهم، من دون أغان ذائعة الصيت باستثناء قليل، ومنه أغنية “على أم المناديل” (لحن نقولا المني). أحيت بعض الحفلات، منها في سينما الحمراء في دمشق، ومنها في الكويت، وفي مصيف عاليه (لبنان).

وحاول فريد الأطرش في مطلع الستينيات أن يخرجها من عزلتها الفنية التي لم تكن باختيارها، وأن يعيدها إلى الأضواء، فأعطاها لحن “مين علّمك كده/ ومين يرضى بده/ الحب يا نور عينيّ/ عمره ما كانش كده”. لكن الرغبات ظلّت أكبر من الواقع.

عرفتها في أواخر الستينيات. كانت تسكن فيلا تملكها في فرن الشباك (ضواحي بيروت)، كانت الوحيدة في الحيّ بين عمارات عالية. وكنت أسكن في الحي ذاته. قدمني إليها المحامي سليم أبو طعان، ابن عم والدتي، وكان مستشاراً قانونياً لها. واكتشفت أنها تجيد العزف على العود، وأن صوتها ظل جميلاً ويمكنها أن تغني من دون مصاحبة آلة ما، وأنها مثقفة موسيقياً.

سألتها مرّة أن تحدثني عن المقامات في اللحن والغناء. بدأت تشرح لي علمياً نغمات المقام، فقلت لها يصعب عليّ الفهم، رجاء أعطِني أمثلة. قالت: “السيكاه مثل (الأطلال) والحجاز مثل (فوق النخل) والكورد مثل (إنت عمري)”. وأخبرتها بأنني سمعت أخيرا عن مقام اسمه “النكريز”، فعلقت بقولها: “هو مقام صعب وقليلا ما غناه المطربون. ومنه مثلاً أغنيتي أنا (الدنيا ساعة وصال)، وأغنية (سجى الليل)، وهذه وتلك لحنها عبد الوهاب. هو الذي يقدر على الصعب”.

كانت تحكي عن عبد الوهاب بنبرة هيام. هي التي عشقت أغانيه في طفولتها وكان فتى أحلامها في مراهقتها، ومثلها الأعلى في الغناء. طفلةً غنّت “يا جارة الوادي”، وأنشدتها وهي المغنية المحترفة في المقاهي. وغنتها في حلب وكانت سبب دعوة يوسف وهبي لها للعمل في السينما. وفي 1969 غنتها في تلفزيون لبنان بانسجام تام، وسرحت في الأداء بارتجاليات بديعة وتنويعات فنية متقنة على اللحن الأصلي، وشعرنا بأنها انطربت شخصيا قبل أن تطرب السامعين. وما زال هذا التسجيل متداولاً في شبكات الاتصال حتى يومنا هذا. وأخبرتني نور الهدى بأن عبد الوهاب شاهد الشريط واتصل بها مادحا أداءها. وتمنّت أن يعقب ذلك لحن منه لها، لكنها ظلت تنتظر الذي يأتي ولا يأتي.

أجمع خبراء النغم على الإشادة بحسن أدائها وصوتها الذي ظل لم تصبه الشيخوخة، كما وجهها الذي لم تزحف عليه التجاعيد. ومع ذلك خرجت نور الهدى من دائرة الأضواء، الأمر الذي يجعلنا نتساءل: كيف يمكن لصوت ذهبي أن لا يلتفت إليه الجمهور؟

ما من خلل فني في صوت نور الهدى أو أدائها تسبّب في تراجع الإقبال الجماهيري على أغانيها. لكن الخلل مرجعه إلى ظروفها، في زمن تألقت فيه فيروز بصوتها الساحر والأغاني الرحبانية الرائعة، ولمع نجم نجاح سلام، واشتهرت سميرة توفيق بأغانيها البدوية، وعادت صباح من القاهرة نجمة سينما وأغان باللهجتين المصرية واللبنانية، وأحيت ليالي مهرجانات بعلبك بالتناوب مع فيروز، وشاهد الجمهور أفلام هؤلاء المطربات، ظلت نور الهدى بعيدة عن أضواء السينما، وتنتمي أغنياتها إلى زمن سابق.

وثمة ظروف نفسية هي انعكاسات حصار والدها وحجره عليها، ما جعلها هزيلة العلاقات العامة. ظلت منزوية في بيتها لا يُذكر اسمها في وسائل الإعلام. وأبت كرامتها عليها أن تطلب العمل، ولم يهرع إليها منتجو الأفلام والأسطوانات. وترك ذلك مرارة واضحة لم تختف من تصريحاتها في المقابلات القليلة، ومن انتقادات للمطربات الجديدات، حتى صباح لم تسلم من سلاطة لسانها، إذ وصفتها بأنها مغنية لكن ليست مطربة. وكان ردّ صباح موجعا، إذ قالت إنها مع ذلك موجودة وجمهورها يؤيدها، بينما نور الهدى منسية في خبر كان.

كأنما سوء الطالع ظل يلاحقها. قرب أواخر عقد الثمانينيات احتاجت إلى سيولة نقدية، فباعت الفيلا بثمن أقل نظراً لحاجتها. واهتزت آنذاك قيمة الليرة اللبنانية وأخذت في التدهور. وكلما انتظرت نور الهدى أن يتحسن سعر صرف الليرة، كان يحدث العكس. وبعد خسارة موجعة أنقذت ما يمكن إنقاذه بالدولار، وانتقلت إلى شقة أختها في حيّ الأشرفية وعاشت السنوات الأخيرة معها.

ظلت محتفظة بأول فستان ارتدته عندما غنت أمام الجمهور لأول مرة. وظلت تدعى “الآنسة” نور الهدى. وتتذكر أن عبد الوهاب هو الرجل الوحيد الذي قبّلها على شفتيها في فيلم “لست ملاكاً”. تستدعي صور سنوات المجد العشر والأضواء الساطعة، وتغني “والذكريات صدى السنين الحاكي” إلى يوم رحيلها في يوم 9 يوليو/ تموز 1998 عن عمر ناهز الرابعة والسبعين.

(العربي الجديد)

مقالات ذات صلة