الخطيب: للاستجابة لمنطق التوافق لإنجاز الاستحقاقات الدستورية منعا للفراغ القاتل

أدى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الاعلى العلامة الشيخ علي الخطيب خطبة الجمعة في مقر المجلس التي قال فيها:

“قال تعالى: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب). لا شك أن وقوع الجريمة قديم قدم البشرية بحكم نزوع الإنسان الى السيطرة والنفوذ أو الانتقام، وهو ما يعبر عنه بالأنانية، ولا نعرف نصا يحكي أول جريمة ارتكبت منذ وجود الإنسان على الأرض غير النصوص الدينية المعترف بها التي اتفقت على أن أحد ابني آدم قتل أخاه على اختلاف في التسمية، لكن الوارد في الروايات لدى المسلمين أن القاتل هو قابيل والمقتول هو هابيل، وقد ورد ذكرهما في القرآن باسم ابني آدم وأن الدافع للقتل هو الحسد”.

اضاف: “قال تعالى: (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين، لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين).

والظاهر، والله العالم، أن العقوبة لم تكن مشرعة في عهد آدم لأن تاريخ الشرائع السماوية متأخر، وأولها شريعة موسى (عليه السلام)، وهي شريعة التوراة، أما كيف يتعامل مع الجريمة حين تكاثرت البشرية فغير معلوم لدينا، وحتى أن النصوص الدينية لم تتعرض لهذا الأمر، والموجود لدينا من المصادر التي تتحدث عن أقدم نظام عقوبات من خارج النص الديني وإن كانت تعود في جذورها الى الشرائع الدينية يحكي عن نظام العقوبات في مصر القديمة أو البابلية (شريعة حمورابي) وفي الحضارة السومرية في بلاد الرافدين، الذي يرتكز على ثلاث أسس، هي: ” العنصر الأخلاقي، والديني، ومكافحة الجريمة”.

وتابع: “وعلى أي حال فقد كانت الجريمة في حياة الانسان تستدعي تشريع العقوبة، فهي حاجة بشرية للاستقرار الاجتماعي، ولذلك لم يخل نظام بشري أو ديني من وجود تشريعات عقابية للحد من الجريمة. ولما كانت شريعة الإسلام آخر الشرائع الدينية فقد لحظت هذا الجانب، وكان لنظام العقوبات حيزا مهما من هذه الشريعة وحتى في الأنظمة المادية والمتنكرة للدين أو التي لا تلحظه في تشريعاتها، إلا أن الإسلام لم يعتمد في مكافحة الجريمة على العقوبة المادية فقط كما هو شأن الديانات الإلهية الأخرى، حيث توعد مرتكب الجريمة بالعقوبة الأخروية معتمدا على عنصر الايمان بالحياة الأخرى وتعميق ثقافة الثواب والعقاب الأخروي، الذي كان له الدور الأبرز لدى المؤمنين في الحد من وقوع الجريمة”.

وقال: “واذا كان للعقوبة المادية هذا الأثر البالغ الذي عبر الله تعالى عنه في الآية الكريمة التي تحدثت عن الاقتصاص من الجاني وأن فيها (حياة) البشرية يدركها أولي الألباب الذي يعملون عقولهم ويفكرون في ما تحدثه هذه العقوبة في حياتهم (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب).  فإن أثر التربية الإيمانية والثقافية الأخروية وثقافة اليوم الآخر وثقافة يوم الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار أهم، لما في ذلك من مانع يحجز المرء عن ارتكاب الجريمة ، ولا إشكال أن لهذين العاملين عامل الإيمان بيوم الحساب وثقافة الثواب والعقاب الأخرويين وعامل العقوبة الدنيوية من أثر في تحقيق هذه الغاية، وهي التقليل من وقوع الجريمة والحد منها وتحقيق الاستقرار الاجتماعي والأمني، إضافة للعامل الأخلاقي ونظام القيم الذي يشكل أساس الدين والشريعة، وهو ما يفتقده أي نظام لا يقوم على هذه الأسس الثلاث”.

وتابع: “وقد يشكل العامل الديني والإيمان باليوم الآخر أقوى هذه العوامل لأن الإنسان المؤمن بالله تعالى يشعر بالرقابة الإلهية، وأن الإنسان يفتقد في هذه الحالة جرأة المخالفة والإقدام على ارتكاب الجريمة التي تشكل في اعتقاده معصية لله سبحانه وتعالى، ووقوعه في مورد غضب الله تعالى وانتقامه وعقابه ليس في حساب الآخرة المؤجل فقط، حيث قد لا تمنعه هذه العقوبة المؤجلة من الإقدام على الجريمة، وإنما في حساب الدنيا، لأن الانتقام الإلهي في حساب الايمان انتقام دنيوي أيضا يرتد عليه في الرزق وفي الصحة وفي الذرية. وقد عمل الإسلام على تعميق هذا الشعور لدى المؤمن سواء عبر الآيات القرآنية المتكررة وضرب الامثال فيها عما أصاب الأمم السابقة التي ارتكبت المخالفة لأوامر الله تعالى وشريعته، وخصوصا في الجرائم الكبرى التي كانت سببا في محوها وهلاكها كما حصل مع قوم عاد وهود ولوط ونوح ليتعظ المؤمنون منها ويحذروا من الوقوع فيها.

هذا، إضافة الى شعور المؤمن بأنه لا يستطيع إخفاء ما يرتكبه عن الله تعالى، فهو لا تخفى عليه خافية لا في الأرض ولا في السماء وهو يعلم ضمير الصامتين، فحتى ان ما يضمره الإنسان في نفسه وما يفكر به مفضوح وغير مستور عن الله تعالى الأمر الذي يقوي الرقابة الذاتية لديه، إضافة الى عامل الترغيب بما أعده الله تعالى للمطيعين ويقوي لديهم دوافع الخير ويميت لديهم دوافع الشر”.

وقال: “هذه العوامل أيها الاخوة تفتقدها الأنظمة المادية التي تعتمد القانون لمكافحة الجريمة وإلزام المواطن به الذي سرعان ما يبادر الى مخالفته عند شعوره بالأمان، لأن ضوابط القانون محدودة والتحايل عليه ممكن، ولهذا لم تفشل الأنظمة المادية وقيمها أن تحد من وقوع الجريمة فقط بل أسهمت في اشاعتها في المجتمعات الغربية بشكل واسع وفقدت معها الأمان بشكل ظاهر ومراجعة لما كتبه كبار الباحثين الغربيين في هذا المجال تعطي صورة واضحة لذلك”.

اضاف: “وقد شكلت الحضارة الغربية بما قدمته من مظاهر تقدم في نمط الحياة والتنظيم الإداري والتقدم العلمي، وهما لدى المجتمعات الشرقية على اختلاف أديانها من إسلامية ومسيحية، وجذبت عنصر الشباب فيها الى تصور خاطئ، وهو أن الاقتداء والتخلي عما تحمله من إيمان وقيم سيرتقي الى حياة أفضل مما هي فيه من تخلف، ولم تكن تدري أن هذه الصورة التي بدت  لها راقية ومتقدمة وجميلة مما تحكم به أنها صورة كاذبة لأن نتائج أي تجربة اجتماعية لا يمكن الحكم عليها في وقت مبكر وانها بحاجة الى وقت أكبر لتظهر على صورتها الحقيقية، مع أن ما تعيشه من واقع متخلف يحمل الى جانبه مما تبقى من قيم زرعها الإيمان في باطن وجدانها، تبقى البذرة التي نحميها من عوامل الزوال، وهو ما تفتقده الحضارة الغربية التي أفرغت إنسانها منها، وسرعان ما يؤول أمرها الى الزوال حينما تستنفذ هذه الحضارة عنصر القوة المادية المتحولة وغير الدائمة التي أشار القرآن الكريم بقوله: (وتلك الأيام نداولها بين الناس)، فالقوة المادية متحولة وزائلة، ولكن عنصر الثبات والبقاء قائم في القيم الروحية والأخلاقية التي تحملها وتستبطنها الأمم، ولذلك كان العمل على ضرب هذا العنصر وتجريد المجتمعات العربية والإسلامية منه حثيثا من قبل الغرب لتتسنى له السيطرة النهائية عليها”.

وأردف قائلا: “لقد كانت البداية أن يعطي  الغرب عن نفسه الصورة المثالية للعالم المتقدم الذي يجب أن يحذو الشرق حذوه، ثم عدا على قيمه المعنوية لتجريده منها، ونشر قيمه وثقافته المادية في مجتمعاته، وهو يستخدم لذلك كل ما لديه لنشر ثقافة الحياة _ كما يسمونها وهي بالأحرى يجب أن تسمى بثقافة الموت والإعدام_ عبر وسائله القذرة الداخلية لهذه المجتمعات بعد أن استطاع أن يوجد لنفسه الأرضية المناسبة فيها عبر نشر الفيديوهات والأفلام التي تشجع على الدعارة والفواحش والمخدرات والتفسخ الاجتماعي”.

وقال الشيخ الخطيب: “أيها الاخوة، لقد استطاعت مجتمعاتنا على الرغم من كل الظروف الصعبة التي عاشتها وتعيشها أن تقاوم هذه الهجمة الشرسة اللاأخلاقية وتحافظ على الترابط الاجتماعي وعلى قيمها الأخلاقية على الرغم من كل الصورة السوداوية التي يظهرها الاعلام المزيف وعلى الرغم من التجارب المرة التي عانت منها في حياتها السياسية والمظاهر الكاذبة للإسلام المزيف الذي أراده لنا الغرب ورغم العصبيات الدينية التي أفلتتها الأبواق المأجورة”.

اضاف: “لقد استطاعت مجتمعاتنا مواجهة هذه الحرب الحضارية اللاأخلاقية الشرسة وان تفضح هذه المحاولات وتظهر الصورة الحقيقية لقيمها وإيمانها وتتغلب على محاولات التضليل الإعلامي الذي سخرت لها أقلام مأجورة وفتاوى ضالة الذي بدت في مقاومتها وعنادها وصمود أبنائها الذين دافعوا عن قيمها بدمائهم وأقلامهم وكلماتهم وزنودهم رغم قلة الناصر واستعادت زمام المبادرة من جديد، تجلى ذلك في كل الوقائع التي سيسجلها التاريخ سواء عما حدث في لبنان أو سوريا أو فلسطين أو العراق بعزم لا يلين، تجلى ذلك في صمود سوريا وعودة لحمة محور المقاومة بعودة حركة حماس الى سوريا وإجبار العدو للرضوخ الى مطالب لبنان مستندا الى قوة المقاومة ووحدة الموقف اللبناني وعودة فلسطين لتكون القضية المركزية بالبطولات التي يظهرها التميميون في الضفة الغربية بعد أن خفت صوت المطبعين وبعد فشل محاولات إثارة الشعب الإيراني بوجه قيادته الشجاعة والواعية صاحبة البصيرة”.

وتوجه بـ”تحية الإكبار والإجلال لثورة أبطال الضفة الغربية الذي أفقدوا العدو القدرة على إحكام السيطرة وعلى الإمساك بها”، وقال: “ونحن نود هنا أن يتعظ البعض من اللبنانيين من كل ما جرى لتصحيح المسار والعودة الى الوطن لتقصير طريق الخلاص على اللبنانيين من واقعهم الاقتصادي والمالي ويسارعوا الى الاستجابة لمنطق التوافق لإنجاز الاستحقاقات الدستورية منعا للفراغ القاتل”.

مقالات ذات صلة