عون و”إعلان الحرب”..حيث لا يجرؤ الآخرون!

بقلم ابراهيم عوض

في السادس من شهر تشرين الثاني العام 2017، وبعد ايام على إعلان الرئيس سعد الحريري استقالته من الرياض عبر تلفزيون “العربية”، استدعى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون المجلس الوطني للإعلام ونقابتي الصحافة والمحررين وأصحاب محطات التلفزيون والاذاعة إلى القصر الجمهوري، وكنت في عدادهم، حيث دخل علينا وجلس على كرسيه ثم بادرنا القول من دون مقدمات “يا أخوان عنا رئيس حكومة محجوز في السعودية.. وهذا اعتداء علينا وعلى كل لبنان”.

بضع كلمات كانت كفيلة بإحداث هزة على الساحة اللبنانية، حيث سارعنا، وفور خروجنا من القصر الى تعميمها، كل من موقعه، عبر الوسيلة الإعلامية التي يعمل فيها لتنشر سريعاً وتصبح الخبر الأول في سائر محطات التلفزة العربية والأجنبية، التي توقفت عند وصف ما فعلته المملكة العربية السعودية برئيس حكومة لبنان بـ”الإعتداء”. وقد ترافق ذلك مع معلومات أفادت أن لبنان، وبالتعاون مع فرنسا، كان يعتزم رفع شكوى ضد السعودية في مجلس الأمن. وهذا ما دفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى التحاور الفوري مع القيادة السعودية وتحذيرها من مغبة ما اقترفتها أيديها، إذ لم يسبق في تاريخ لبنان القديم والحديث أن قدّم رئيس حكومة استقالته من خارج الوطن، أو تعرض لذلًّ “رسمي” من هذه الدولة أو تلك.

موقف صادم وجريء لا يتخذه إلا رئيس جمهورية من طراز ميشال عون. ولا غروَ أن نسمع عندنا، وفي الرياض، أن هناك من لا يعجبه الجنرال ويسعى لعرقلة عهده بكل ما أوتي من امكانات مادية وسياسية وتحريضية.

كلمة “الإعتداء” هذه، التي فعلت فعلها حينذاك، أدت إلى “فك أسر” الرئيس الحريري وإعادته إلى السراي. وها هو الرئيس عون يستعيد الكلمة ليطلقها على ما حصل في الضاحية الجنوبية لبيروت من اعتداء اسرئيلي فاضح كاد يتسبب بمجزرة في المركز الإعلامي التابع لـ”حزب الله” لولا لطف المولى عز وجل، ونخوة شبان في “حي معوض”، حيث يقع المركز، رموا الطائرة المسيّرة الأولى بالحجارة وأعطبوها. وهي التي كانت تحمل عبوات متفجرة كما تبيّن. فيما انفجرت الثانية نتيجة عطل تقني وألحقت الأضرار المادية الجسيمة بمكاتب عدة في المركز الإعلامي المذكور.

فور سماعي موقف الرئيس عون، الذي قال فيه بالحرف مخاطباً الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة يان كوتيش: “إن لبنان الذي تقدم بشكوى إلى مجلس الأمن رداً على العدوان الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية من بيروت يحتفظ بحقه في الدفاع عن نفسه. لأن ما ما حصل هو بمثابة إعلان حرب يتيح لنا اللجوء إلى حقنا بالدفاع عن سيادتنا واستقلالنا وسلامة أراضينا”، قُلت في قرارة نفسي “إن أصوات نشاز” ستنطلق حتما منتقدة وحاملة عليه. وهذا ما ظهر جلياً في جلسة مجلس الوزراء أمس، وقبلها عبر تغريدات “قواتية” بصورة خاصة وتصاريح، اعتاد أصحابها ممن ينتمون إلى فريق “14 آذار” اللجوء اليها والتلطي خلف عبارة “الحرب والسلم” والسؤال عمّن يمتلك القرار بهذا الشأن.

ما حصل في بيروت، فجر الأحد الماضي، خطير للغاية. ووصفه بـ”الإعتداء أو العدوان” أقل ما يُقال فيه. فهو أبعد من ذلك بكثير وليس من صنف الخروقات الجوية الإسرائيلية اليومية التي بات بعض من في الحكم وغيرهم ينظر إليها على انها اعتيادية ولا يرف له جفن جراءها.

ما حصل في بيروت “إعلان حرب” بكل ما في الكلمة من معنى الإستهداف وإلحاق الأذية البشرية والجسدية بالناس والمواطنين. وهذا ما عبّر عنه رئيس البلاد صراحة أعَجَب البعضُ ذلك أم لم يعجبه. فمن تهون عليه المذلة ويمتهن الخضوع للإملاءات والتعليمات والتوجيهات الخارجية لن يفقه معنى الصمود والمقاومة ومواجهة جيش بات يُقْهَر ويرتعب ويعد عشرات المرات قبل الإقدام على أي مغامرة.

خلاصة القول، وبعد قراءة كلمات الرئيس عون بدقة، لا بد أن يعي الجميع أنه يعني ما يقول. فما جرى يُعد أول استهداف اسرائيلي مباشر للبنان بعد القرار 1701. وهو بالتالي خرق فاضح له. من هنا فان باب التأويل أو التفسير أو اللف والدوران لا مجال له البتة.

هو “إعلان حرب ونص” ومن يقل غير ذلك عليه ألا ينطق بعد الآن بالسيادة والحرية والاستقلال.

مقالات ذات صلة