البراغماتية الأميركية منتهى الانتهازية: نموذج لبنان من العقوبات إلى الترسيم/ خضر رسلان

بقلم// خضر رسلان

درج الاستعمار القديم والجديد على ابتداع مصطلحات براقة وجذابة أثبتت التجارب أنها كانت الحصان الذي امتشقه من يتحكّمون بأزمة الأمور لكي يستحوذوا على مقدرات الشعوب بطريقة انتهازية وبلبوس إنساني وحضاري.

وفي هذا السياق، وبالعودة الى بداية القرن العشرين وفي سياق الغزو الثقافي ومن ثم العسكري لِما تمّت تسميته العالم الثالث، وذلك في إطار تقسيم طبقي للبشرية، سادت مفاهيم ومصطلحات تمّ ترويجها وتسويقها في إطار حرب ناعمة يُراد وأريدَ من خلالها تدجين الشعوب وتأطيرها وسلب مقدراتها بطريقة انتهازية لا تخلو من الحنكة والدهاء. وقد تجلى ذلك إضافة الى الأدوات والأعوان المحليين بالترويج لعناوين فضفاضة الظاهر فيها حق والمُراد منها باطل. ومثال على ذلك التالي:

1 ـ مصطلح الانتداب: كانت بريطانيا تدرك أهمية موقع فلسطين، وأنّ احتلالها بعد سقوط الخلافة العثمانية عام 1917، لن يكون أمراً سهلاً، لرمزية وجود القدس فيها إضافة الى المسجد الأقصى المبارك، ولا تريد أن توصف بأنها دولة محتلة، ومن هنا تمّ اختلاق مصطلح انتهازي يدّعي بأنها دولة منتدبة من المجتمع الدولي (عصبة الأمم)، وقد أنيط بها أن تحكم وتدير شؤون فلسطين دون أخذ رأي الشعب الفلسطيني بحجة أنه لا يستطيع أن يحكم نفسه بنفسه. لذلك اختارت مسمّى «الانتداب»لتجميل دورها وكأنها صاحبة وصاية وليست احتلالاً. وفي عام 1920، عيّنت الحكومة البريطانيّة «هربرت صموئيل»، اليهوديّ المنتسب للحركة الصهيونيّة، أول حاكم للانتداب في فلسطين، ليبدأ بممارسة سلطاته عبر إصدار سلسلة من القرارات الداعمة للمشروع الصهيوني، حيث تمّت إدارة الشؤون المدنية والإدارية والاقتصادية والأمنية والعسكرية تحت عنوان انتداب من أجل زرع بذور الكيان الصهيوني في المنطقة عام 1948، في واحدة من كبرى المسرحيات العالمية.

2 ـ مصطلح مكافحة الإرهاب:

إنّ السردية الموضوعية حول مفهوم «الإرهاب»ومكافحته مليئة بالتناقضات، ويتمّ استخدام هذا المصطلح لتجريد «الآخر»من إنسانيته وشرعيته وحقه في الدفاع عن شعبه وأرضه، وبشكل خاص إذا كان الأمر يعاكس الهوى الأميركي، فتصبح مثلاً المقاومة في لبنان إرهاباً بينما تضفى الشرعية على استخدام الاحتلال «الإسرائيلي»للقوة والعنف والمجازر في أراض تعتبر بحسب القانون الدولي تقع تحت الاحتلال ومع ذلك يتمّ تصنيفه دفاعاً عن النفس

3 ـ .مصطلح البراغماتية والتضليل الأميركي:

‎ يتباهي الكثير من الدول والنخب بالنموذج الأميركي السياسي حيث يتواتر من مواقفهم إعجابهم الشديد بالسلوك الأميركي الذي يدّعي تأثره بالمذهب البراغماتي. وهذا الأمر بالطبع لا يمتّ الى الحقيقة بصلة، فـ البراغماتية التي تُعرّف على أنها تفكير علمي مُنظم ومُتماسك، التي تشجع الناس على «أن يبحثوا عن الطرق التي تحقق أهدافهم بشكل أفضل وتقوم على التوجيه الناجح لـ التجربة التي تؤدّي إلى تحقيق حياة أفضل للجميع.. هي مناقضة تماماً للسلوك الانتهازي الأميركي القائم على الهيمنة والتسلط، والمعتمد على نظرية الغاية تبرّر الوسيلة والشواهد على ذلك كثيرة؛ ومنها ما دأبت عليه الولايات المتحدة من حصار وتجويع وعقوبات طالت كلّ الشعب اللبناني في سبيل غايات تخدم الكيان الصهيوني ومشاريعها في المنطقة سواء أكان منها التطبيع أم الاستحواذ على ثروات المنطقة… البراغماتية الأميركية تستند كما النظرية على تحقيق الأفضل ولكنها من وجهة نظر مخالفة، فالسلوك الأميركي لا مكان عنده، عند التحوّل بالأهداف، للقضايا الإنسانية التي تنظم فيها الدواوين والأشعار، فالمعيار هو استمرار الهيمنة والقطبية الأحادية، فالحاجة الى استخراج الغاز من المتوسط لنجدة الحلفاء الأوروبيين دفع الأميركيين بواسطة موفدهم هوكشتاين إلى إغراء الدولة اللبنانية بكلّ أركانها، والتي اكتوى شعبها بحصار أميركا وعقوباتها منذ سنوات طويلة، الى تقديم معادلة تقوم على التوقيع وترسيم الحدود البحرية مع الكيان «الإسرائيلي»الغاصب مقابل المباشرة بإجراءات وقرارات تساعد على تخفيف الأعباء عن كاهل اللبنانيين المتأتية أصلاً من الأميركيين أنفسهم ومنها استثناء لبنان من «قانون قيصر»والسماح باستجرار الغاز والكهرباء من مصر والأردن عبر سورية، إضافة الى التشجيع على استمرار تدفق الفيول العراقي.

‎فالحاجة وليست البراغماتية دفعت الأميركيين وبانتهازية مطلقة الى الضغط على الجانب «الإسرائيلي»وكرمى لأهدافهم ضدّ روسيا الى ابتداع خط أزرق بحري يمنع فشل مفاوضات الترسيم التي يبدو أنها رست على استحواذ لبنان على الخط 23 إلى كامل حقل قانا إضافة لتثيبت حقه في النقاط بـ 1و2 التي تمنع التلاعب في الحدود البرية لاحقاً.

‎انّ البراغماتية الأميركية في الشواهد المعاصرة تثبت أنّ وجهها الحقيقي هو تحقيق المصالح والأهداف بطريقة استفزازية وانتهازية، وما الانسحام من أفغانستان بالأمس القريب إلا شاهد حيّ على تركهم لأعوانهم وعملائهم لقمة سائغة بل هدايا مباحة للحكام الجدد في أفغانستان من أجل خروجهم الآمن من البلاد…

ومن شواهد هذه البراغماتية الانتهازية تخلّي الرئيس الأميركي عن أحد أهمّ عناوين حملته الانتخابية وهو محاسبة ومحاكمة قتلة المعارض السعودي جمال الخاشقجي بل الذهاب بعيداً في استجداء من اتهموه بقتله فضلاً عن حياكة علاقات استراتيجية معه دون ايّ اكتراث لما يدّعونه من قضايا الحريات وحقوق الإنسان…!

‎بالاستناد الى ما تقدّم وفي سياق البراغماتية الانتهازية الأميركية واستشرافاً للمستقبل وطالما انّ استخراج الغاز من مياه المتوسط حاجة أوروبية لسنوات طويلة، وانّ ديمومة تدفقه بحاجة الى تثبيت عوامل الاستقرار في المنطقة وخاصة بين لبنان والكيان «الإسرائيلي»وحيث انّ الأميركيين هم الجهة الراعية والمستفيدة منه في مواجهة روسيا، هل يدفع ذلك وانسجاماً مع السلوك الانتهازي التاريخي الى أن تقرّر أميركا التخلّي عن كلّ أدواتها الذين كانوا أحصنة طروادة في مواجهة المقاومة بعدما انتفت الحاجة اليهم… إنّ غداً لناظره قريب.

عن صحيفة “البناء”

مقالات ذات صلة