نزار ضاهر تشكيلي لبناني مختلف في الزمن الخطأ ونصه انتفاضة !/ جهاد ايوب

بقلم// جهاد ايوب

نزار ضاهر تشكيلي فنان، وشاعر استاذ في الوانه، وطفل شاخ من العيش في لبنان فهرب إلى الطبيعة، وقام بغزو مجرات اوجدها كما يشتهي تطفلاً لإشباع طموحه، وكإنسان يبحث عن الذات وعن الجمال بين بشاعة حياتنا، وتصرفات انسان من حولنا!

بدأ الرسم طفلاً ينزعج أو لفتته اركيلة جده، اخذ فحمها، حطم الفحم ناراً حتى الرماد، طحنه مع زيت الزيتون البقاعي ليؤلف اللون الذي ولد خربشات على علب السجائر!

عالج موهبته بالعلم، وبالمعرفة وبالبحث، وهو اليوم من كبار التجربة التشكيلية اللبنانية والعربية، سبقه رواد في الحضور والصناعة والموهبة، حفروا الصخر والشجر والقمر، وعطروا الليل بعبق التميز…هو يدرك أهمية من سبقه، لذلك رفض أن يكون مجرد تأثيرية لعابر طريق، فكان هو نزار ضاهر…مغامر حالم مختلف وحاضر…هو تشكيلي الدقة في إعطاء اللحظة التعبيرية المطلوبة، هو النص المتمكن، واللون المنتفض!

▪نصه
كأنه يرسم المجرات…كأنه يلتقط بعدسته تحطيم الآلهة لمعابدهم خارج الكون، كأنه يسرق الحلم، ويعيد حياكته بأصباغ قليلة تخرج من أصابعه، وتأخذ بزركشة الفضاء!

يغريه المشهد …يقرأه مجدداً بعد النظرة الأولى، يتصالح مع ما شاهده ويجعله مكانه، ويجعل من مكانه حالة سحرية من احساسنا بالحلم…نعم كل حركة نزار ضاهر في التشكيل تعنى بالحلم وباكتشاف جمالية الدهشة ما بعد حادثة صدمة اوجاع الفقر، وصفعة التخلف…نعم يذهب إلى الحلم ليس هرباً، بل للبحث عن أفضل!

من الحلم ينطلق، ومن ولادة جديدة يصرخ نزار ضاهر، لذلك لا يشبه غيره، ويصر أن لا يكون في نصه تقليدياً، ولا يسجن تجربته بلوحة نجحت وانتشرت، همه الغوص والقراءة، وليس العيش على فتافيت غيره، وهذا ما يميز نصه بشكل عام…
يغوص نزار بما يرغب، ويقرأ تفاصيله لكونه لا يؤمن بالصدفة في نصه، بل كل شاردة هي واردة قصدها اتفقت معه أو لم تتفق…

هو يرسم كما لو كان يكتب القصيدة الرواية المقالة، ويترك البوح لبصرنا ولأبصارنا…وكم منا الكثير من شخوص تنظر ولا تشاهد ماذا نظرت!

هو يقرأ الفكرة، يتجول معها، يناقشها، يتشاجر معها، لا يستأجرها من هنا وهناك كما يفعل غيره، ولا يسرقها من كتب غيره، ويتبجح هذا نصي، بل هو الذي يبحث، وهو الذي يجول في الأمكنة والجوار، والحوار والنقاشات، والصمت والتاريخ والطبيعة بكل فصولها، هو الذي يحاور حتى يجد ضالته الفكرة، والفكرة يجعلها نصاً، ونصه انتفاضة بصرية ولونية ثائرة على كل ما هو مألوف!

يغوص نزار في نصه إلى حدود الذوبان بما يرغب طرحه، لا ينتظر الضربة الصدفة، ولا حركة غير مدروسة، هو تعمد هذه الخطوة، وأخذ فريسته إلى ما قصده، واغمسها في قارورة اللون كي ينطق مع الفريسة لا أن يتركهما يعيشا الخرس!

▪لوحته
لوحته متوازنة مع الطبيعة، متناغمة مع حركة قلق الإنسان الحالم، ويأخذها من خلال تمكنه من صناعة فوضى الأمكنة داخل المكان الواحد، وهنا يستغل احتلاله للمشهد فيبعثره، يؤثر ويتأثر به، يتعمد فوضوية ألوانه بحركة ريشته المنظمة، قد يستخدم السكين الخشب أو ما يرغب بجعله شريكاً في لوحته، والأهم بعد كل هذه الفوضى يعاود الاسترخاء والعزف على وتر الزمن، فيتنهد ليعزف الوان الحياة برمادية الحياة، ويفرح بها، يتصالح مع صرخة الموت من حولها، ويتجرأ إلى قراءة ما بعد الموت كما حال قراءتنا للوحاته، لذلك نجد كتلة صغيرة في زاوية اللوحة هي الانطلاق إلى فضاء أوسع متصالحة ومنسجمة ومتزاوجة مع اللون، والأهم لا ثرثرات لونية في لوحته، بل دراسة ما بين الطارح والمطروح والمصنوع والمتلقي!

العمل التقليدي في اللوحة يبدأ من نصفها، بينما نزار يبدأ من زاوية اللوحة افقياً، فنجد زاوية الشمال من اللوحة كتلة متمكنة كأنها قاعدة اللوحة النص، وأحياناً من الأعلى إلى الأفقي إلى معالجة ما يرغب في نصف اللوحة، وبمجرد النظر نتمكن من اكتشاف هذه، وربما نزار لا يدركها لكونها تفرض حضورها دون استئذان، ولربما يتعمدها لكونه سيد ما يقوم به، وسيد نصه فكرته اصباغه وثورته، واخماد الصراخ الداخلي فيه وفينا!

▪الوانه
نزار يجادل اللون دائماً، متصالح مع التجديد، ولا يقف مطولاً مع المغامرة اللونية التي حدثت، ولا يكثف الألوان من هنا وهناك حتى يغطي الخطأ، أو حتى لا يشوش القارئ للوحته، بل هو هو ثائر على المغامرة كي يقدم ما ابعد من مغامرة، أقصد هو في حالة بحث دائمة لونياً، وهو يتنقل من ثورة على اللون على الفكرة على النص التقليدي، وعلى كل ما هو خمول ومكرر في النص البصري القصيدة اللوحة العربية…ولكن جذور نزار اللون، فيتكئ عليه، ويستخدمه على أساس ألوانه هي القماشة، وقماشته ابنة اللون، وهذا ما يجعلنا نقف مطولاً في قراءة نص نزار دون الانفلات من قراءة اللون!

ألوانه حادة ونارية وصافعة، وألوانه رسالة وليست مجرد حشو اللوحة النص الكتلة…ألوانه نهر يصب في البحر، وهذا يظهر جلياً آفاق لوحته كتجربة جديدة ومتجددة، صوتها الألوان المتصالحة واحياناً المتنافرة لكنها متجانسة المكان والحضور، وسينوغرافيتها مشهدية تعبر إلى فضاء اشمل، إلى بحر السماء، إلى سهل طائر في ضباب سري وسردي!

يتعامل نزار ضاهر مع لونه كما يسبح مع الروح، يرسم بصماتها في الطبيعة كأنه تصالح مع الريح، ويجعل اللون بصمتها، يطرزها بألوان ساحرة ويسير مع الحلم فيها من خلال قراءة اللون في النص!

نزار مجتهد في اللعب باللون بمساحة قماشته، وهذا ولد حالة من التطور في لعبة اللون وصناعة الشكل والمدى البعيد، والأهم التصالح رغم كل الاشكاليات ما بين البصر والنص واللون!

▪عناصره
عناصره فيزيائية اللون، وكيميائية الخوض بتكويناتها وشذاها داخل النظر، لا يرغب نزار بأن يقرأ المشاهد بنظرة إنشائية تصويرية تقليدية سهلة في فك المشهد، ولا يؤمن بأن يصل نصه بكل التضاد والصراخ والجمال إلى مجرد نظرة عابرة والسلام، بل هو يتعمد اشغالنا، الوقوف ومناقشة ما نشاهد، أن نتجادل، ونجادل، من هنا نكتشف أن لوحة نص كتلة نزار ضاهر
زاخرة بالروح، كما لو تعمد أن يبلسم النظر، يجدد تطلعاته في قراءة لم يعتدها من غيره، ويكسر حدة جمود اللون والكتلة الفكرة دون ان يسلب فرحك، ويتعمد في ان تشبع ذهنك من فعل المشاهدة وتركيز البصر!

نزار ضاهر تشكيلي بأمتيار، ورسام شاعر بكل ثقة، وشاعر ينحت اللون بتفاوت ما يبوح به، ويؤرخ السهل الذي جعله فضاء وكونه لأبعد من مجرد نظرة عابرة، بل من خلال إبراز روحه في لوحته يدخلنا إلى راحة اللحظة لا استراحة العبرة… وإلى قراءة بصرية ملهمة.

تبدأ من زاوية، تدرك الغور في بواطن المشهد، تلاطف الثورة فينا، تفرغ الأحاسيس من احساس الفنان نزار وتعبه إلى قماشة ناعمة، تسمعنا أزيز الرصاص، أزيز غضب فنان نسمعه بكل بساطة من خلال المشاهدة!

مقالات ذات صلة