أعيدوا علينا إفتتاحية قصيدة المتنبي ، فإننا لم نملها فهي صالحة لكل أعيادنا

 بقلم الشيخ مظهر الحموي

تعود بنا الذكريات الى سنين مضت ، كم كتبنا فيها وخطبنا وحدثنا في أعياد ماضية ونحن نستعير إفتتاحية قصيدة المتنبي التي ظننا أنها باتت مملة وقد ذهب رونقها وبهت صداها عندما كنا نردد ومنذ سنين مضت ( عيد بأية حال عدت يا عيد..) مما يدل على أن أعيادنا تحولت إلى مآسي تضاف فوقها مآسي ونكبات، لا نكاد ننتهي من أحدها حتى تطل علينا مصائب أخرى ، حتى أصبحت المصائب تصابحنا وتماسينا تراوحنا وتغادينا..

وللأسف هل إستطعنا إيجاد حل لأحد هذه المآسي والمصائب والنكبات والنكسات، أم أنها تتراكم فوق بعضها حتى يصدق فينا قول الشاعر :

رماني الدهرُ بالأرزاءِ حتّى

فؤادي في غشاءٍ من نِبالِ

فصرْتُ إذا أصابتني سِهامٌ

تكسّرتِ النِّصالُ على النِّصالِ

، ولم يعد هناك موطئ قدم في هذه البلاد إلا وكما قال الصحابي سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه : ليس في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح وهاآنذا أموت على فراشي …فلا نامت أعين الجبناء.

الفرق أن شروخنا وجروحنا المتنوعة على طول جسد بلادنا وأراضينا ، تنضب بالذل وتنضح بالجبن وتمتلئ مهانة وإستسلاما ، على خلاف جراح خالد بن الوليد (رضي الله عنه)، جراح النبل والجهاد والشهامة والذود في سبيل الله..

ويأتينا العيد في هذه الأيام وإنما سمي عيداً لأن الفرح يعود فيه ويتكرر .

منذ زمن غير بعيد كان يفرح بالعيد الكبير والصغير يذوقون للعيد لذة ويستشعرون فيه بنكهة خاصة ويعيشون أيامه فرحا وسرورا تظهر على وجه الكبير والصغير.

لم يكن لديهم المال الكثير ولا المتاع الوفير ولا الرفاهية في رغد العيش وسعة الرزق بل كانت لهم سعادة القلوب وفرح النفوس وطمانينة الأرواح ومحبة الناس لبعضها البعض .

لم يكن عندهم جوالات ولا فضائيات ولا مسابقات ولا انترنت وغيرها ، بل كانت لهم الأحاديث الطيبة ، وصلات الأرحام ، والقلوب الصافية ..

كان زمانهم جميلا ، وحالتهم بسيطة ، والناس يعيشون في ستر وعافية جسدية ونفسية..

أما في أيامنا هذه  فيأتينا العيد والفرحة فيه مصطنعة مخنوقة لا يسمع لها صوت إلا صوت ضعيف يتردد في بعض الزوايا جاء العيد يبحثون عن الصوت فلا يجدوا له أثرا.

وياتينا اليوم هذا العيد وبلدنا في أسى والناس في وجوم تعتصر قلوبهم الآلام ، وتعتمل في صدورهم الحسرات ، وتطل من عيونهم دمعات الحزن والغيظ والحرقة لما آلت إليه أوضاعهم السياسية والإقتصادية والإجتماعية والمعيشية والصحية ، حيث الهموم والمنغصات تتسلل الى أجسادهم ، والأكلة تتداعى الى قصعتها ، والمآسي في إزدياد ، ولا من مهتم أو منصت؟!.

يأتينا العيد هذا العام وحيثما تلفت تجد من يتربص بنا سوءاً ويريد بنا شراً ولا يهتم سوى بإيذائنا وتقويض دعائمنا وإستقرارنا وتفكيك وحدتنا وشرذمتنا والقضاء على إقتصادنا…

يأتينا هذا العيد على أناس ذلوا بعد عز ، أصبحوا أذلاء بعد أن كانوا أعزاء ، لأنهم ذاقوا مرارة العيش بعد رغده وتجرعوا من العلقم كيزانا بعد وفرة النعيم ،فإعتاضوا عن البهجة بالبكاء ، وسكن محل الفرحة الألم والحسرة والعناء..

يأتينا هذا العيد على أيتام ينشدون عطف الأبوة الحانية ، ويتلمسون حنان الأم الرؤوم، ويرنون الى من يمسح رأسهم ، ويخفف بؤسهم.

ياتينا هذا العيد على أرملة تكالبت عليها الأحزان ، وتوالت عليها المحن ، وتذكرت في العيد عزاً قد مضى في كنف زوج عطوف رؤوف فدمعت عيناها وبكت حسرة وألما..

وتطول الحكاية والمأساة ، وتتعدد الصور والمشاهد البائسة وينخلع الفؤاد من إستعراض حجم الأهوال والمؤامرات التي يتعرض لها بلدنا لبنان وشعبه المسكين.

وأخيرا لا يسعنا إلا أن نقول أيها المتنبي ، أعد علينا مطلع قصيدتك(عيد بأية حال عدت يا عيد..) فإننا لم نملها وهي صالحة لكل عيد في وطننا لبنان.

وكل عام وأنتم ولبنان بخير

مقالات ذات صلة