سفر أو لا سفر..ذلك هو السؤال!

🖋️ابراهيم عوض

بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وعلى الرغم من هذا “الزلزال” الكارثي الذي مازلنا نعاني من تداعياته وتردداته حتى يومنا هذا .وما لحق بلبنان من أضرار على كافة الصعد. وخفوت وهجه الذي بلغ أوجه في عهد الحريري الأب، كان هناك من يلتقي بي، أصدقاء ومعارف وحتى مارة لم يسبق ان شاهدت وجوههم، ليطرحوا عليّ سؤالا محددا لظنهم انني صحافي وعالم بخفايا الامور وما سيحمله الغد او المستقبل.

محور السؤال وجوهره هو التالي: “هل أسفّر ولدي الى الخارج للعمل والدراسة؟!. هل نغادر لبنان اذا ماتسنى لنا ذلك؟.

سؤالهم محق من دون ادنى شك بعد أن ضرِب الاقتصاد اللبناني في الصميم. وتعطلت الحركة السياحية. وغلب الحزن على لبنان بطوله وعرضه وتمثل ذلك في اقفال الوسط التجاري” “الداون تاون” الذي كان يعج بالناس ويستحيل على قاصده الراغب في الجلوس في أحد المقاهي او المطاعم أن يحصل على ما يريد ان لم يقم بالحجز المسبق. اما جوابي يومها قد يفاجئ قراء مقالتي هذه حيث كنت اسارع الى نزع الفكرة من رؤوس السائلين فكرة السفر، واتمنى عليهم عدم القلق والتمسك بالتفاؤل، موضحا ان لا خوف على الداخل من اي شيء والاحوال ستصلح بعد حين ليس ببعيد، الى غير ذلك من الاقوال التي تصب في خانة التشبث بالوطن وابعاد كل مكروه عنه.

نعم بقيت على هذا المنوال طوال سنوات بعد رحيل من أعاد لبنان الى الخارطة العالمية وشغل الناس وملأ دنيانا ازدهارا واستقرارا .هو “ابو بهاء” الذي اضفى على بلدنا بهاءاً ولا أجمل حتى بات مقصد الشرق والغرب.

قد يستغرب كثيرون موقفي الرافض ل “السفر ” حينذاك . لكن ظني لم يخب. فقد عشنا فترات رخاء، خصوصا بعد تسلم الرئيس سعد الحريري رئاسه الحكومة ودخوله السراي إلى أن انقلب الوضع راسا على عقب وانطلقت ما سمي ب “ثوره 17 تشرين” وهنا بيت القصيد الذي اود ان اتوقف عنده.

قبل ” الثورة” المذكوره هذه بأشهر ليست بالقليلة تبدلت نظرتي الآنفة الذكر. وانتابني التشاؤم والقنوط، الأمر الذي انعكس” انقلابا” في توجهي السابق. من معترض وبقوه على من يود مغادرة لبنان بداعي العمل او غيره الى مشجع ومحفز على ذلك. واذكر انني أجبت صديقا جاء يستشيرني في موضوع ارسال ولده الوحيد لمتابعه علمه في فرنسا فقلت له صراحة “لا تتردد اسرع بترحيله.. انا اعلم انك غير ميسور ويصعب عليك تأمين المستلزمات المالية للغربة ومصاريف الجامعة. لكن علمت ان كثيرين من امثالك بعثوا باولادهم الى الخارج والعديد منهم راح يعمل في المطاعم نادلا او في” جلي الصحون” للحصول على بعض المال علّه يخفف من الثقل المادي الذي قد تعاني منه طوال وجود ابنك في الغربة.

بالعودة الى يومنا هذا ها نحن امام مشهد هجرة خيرة ابنائنا من اطباء ومهندسين وغيرهم الى بلاد الله الواسعة، بعد ان عصفت بنا الفواجع والكوارث المتنوعة من مالية ومعيشية وطبية واجتماعية ..حتى وصل الامر الى تعذر الفقير عن شراء ،ما اصطلح على اعتبارها وجبته ، “المنقوشة” لارتفاع سعرها الى عشرين الف ليره في طرابلس وثلاثين الفا في بيروت. ولا داعي للاطالة والسرد في هذا المجال. فالكل يعلم ما بلغته اسعار السلع على انواعها من ارتفاع هائل بعد ان واصل الدولار تحليقه ليصل الى 35 الف ليرة لحظة كتابة هذه السطور. وهناك من “يبشرنا” بان التحليق لن يتوقف عند حدود وعندها التخوف الحقيقي من الانفجار لا قدر الله.

هناك من يستوقفني. لا بل يعارض طرحي هذا، مشيرا الى ان هناك برلمانا جديدا قد اطل علينا بعد اتمام العملية الانتخابية بلا اضرار تذكر. ومع هذا البرلمان دخل أصحاب وجوه جديدة شابة وفتية واعدة ترفع راية “التغيير” لذلك علي التريث، لا بل نزع هذه الصورة السوداوية التي تلازمني لنرى ما سيفعله “التغييريون”.

جوابي السريع ايضا انني اتمنى ان تُصلح الامور على ايديهم وايدي كل من يضع مصلحة لبنان اولا من نواب جدد وغيرهم. لكن المكتوب يقرأ من عنوانه .فملامح المجلس الجديد تؤثر على انه “صدامي” بدليل ما يحصل في الاستحقاق الدستوري الاول، اي انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبه من مناكفات وسجالات واطلاق مواقف غريبة عجيبة، منها لماذا علينا ان ننتخب رئيسا للبرلمان من الطائفة الشيعية؟!.

كلام لا يطمئن ولا يشجع.. وآمل أن أكون مخطئا.

(عن “البيان” الطرابلسية)

مقالات ذات صلة