إذا وسد الأمر الى غير أهله فانتظر الساعة ؟!

كتب الشيخ مظهر الحموي:

في هبوة المعركة الإنتخابية النيابية ، وفي إحتدام التنافس بين المرشحين ، قد يلتبس الحق بالباطل ، ويُقدم بعض الناس المنفعة على الواجب، والمصلحة الخاصة على المصلحة العامة ، وبعضهم من ينقاد الى عصبيته الجاهلية وليس الى الحق المبين.

ولا بد إلا أن يقف المواطن المؤمن الحريص على إيفاء واجبه وإرتياح ضميره ، مراعياً المتطلبات والواجبات وخاصة في مثل هذ الظرف الدقيق الذي يمر به وطننا لبنان.

لهذا فإننا نتوجه الى كل مواطن أمين ونقول له :يجب عليك أن تعلم إن صوتك في الإنتخابات أمانة تسأل عنه يوم القيامة وليست هذه الإنتخابات هي كلمة عابرة ، ولا هي بالهينة واللينة ولكنها شهادة عظيمة ، سوف تُسأل عنها : أمام الله، وأمام الأمة وأمام التاريخ.

هذه الشهادة ليست كغيرها من الشهادات .

لأنها شهادة عظيمة يترتب عليها مصير وطن وهيئة مجتمع  ،ومستقبل أمة ، فانظر ماذا يجب عليك ان تفعل ، حتى تكون بمنجاة من غضب الله، وذم الناس والتاريخ .

واعلم أن الإسلام قد وجهنا بتوجيهات حكيمة في الشهادة لا بد أن نرعاها.

أمرنا المولى سبحانه بأداء الشهادة ، وأنذرنا بالوعيد الشديد لمن يكتمها فقال تعالى : { ..وَلَا تَكۡتُمُوا۟ ٱلشَّهَـٰدَةَ وَمَن یَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمࣱ قَلۡبُهُ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِیمࣱ }

وقال سبحانه : { ..وَلَا یَأۡبَ ٱلشُّهَدَاۤءُ إِذَا مَا دُعُوا۟..}

وحذرنا من شهادة الزور، حتى جمعها مع الشرك بالله ، في آية واحدة ، فقال سبحانه:{..فَٱجۡتَنِبُوا۟ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَانِ وَٱجۡتَنِبُوا۟ قَوۡلَ ٱلزُّورِ }

ووصف عباد الرحمن أنهم :{ ..لَا یَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا۟ بِٱللَّغۡوِ مَرُّوا۟ كِرَامࣰا }

ولم يكتف الإسلام ان يطلب من المسلم أن يجتنب شهادة الزور فحسب ، ولكنه طالبه أيضا أن يتثبت فيما يشهد فيه ، وأن يتحقق ممن يشهد له ، حتى تكون شهادته صحيحة يقول سبحانه وتعالى : { ذَ ٰ⁠لِكَ أَدۡنَىٰۤ أَن یَأۡتُوا۟ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجۡهِهَاۤ .. } وقد ورد أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: تَرَى الشَّمْسَ؟  قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ أو دَعْ.

فإذا شهدت لإنسان بالميزة والكفاية فيجب عليك أن تعرف شخصيته معرفة دقيقة ، يجب عليك أن تعرف ماضيه وحاضره ، وأن تنظر الى غايته وطريقته ، وأن تطمئن الى أخلاقه وسلوكه، عندها تقدم ورجحه وقدمه واشهد له ، وإذا تغير بعد ذلك حسبك ان تقول : { ..وَمَا شَهِدۡنَاۤ إِلَّا بِمَا عَلِمۡنَا وَمَا كُنَّا لِلۡغَیۡبِ حَافِظِینَ }.

أيها المواطن الغيور

اعلم ان دينك يطلب منك  : أن تعرف المواصفات والخصائص ، التي تنتخب بها نوابك بالبرلمان، ولا بد لي الا أن اسوق لك الحكمة التي جاء بها القرآن الكريم عن إبنة الشيخ الكبير ، إذ قالت لأبيها {.. یَا أَبَتِ ٱسۡتَأجِرۡهُ إِنَّ خَیۡرَ مَنِ ٱسۡتَأجَرۡتَ ٱلۡقَوِیُّ ٱلۡأَمِینُ } إذا يجب أن تكون هناك القوة والامانة : وهما أساسان يقوم عليهما صرح كل عمل يسند الى الإنسان.

وقد يكون الرجل عنده أمانة،  ولكنه ضعيف الشخصية ، قليل الحيلة والمواهب ، يعجز عن القيام بمهمته المسندة إليه ، هنا ماذا تفعل الأمانة إذا لم تسندها الكفاية والقدرة والموهبة ؟.

لو اننا نأخذ العبرة من قصة أبي ذر الذي أحبه رسول الله ﷺ لإيمانه وصدقه وجهاده فقال فيه : ما اظلت الخضراء ولا اقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر .

وعندما سأل أبو ذر رسول الله ﷺ   أن يوليه عملا فقال له في صراحة : ( يا أبا ذر إنك ضعيف ! وإنها أمانة ، وإنها خزي وندامة يوم القيامة ، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها) .

من هنا إخواني وأخواتي إجتماع القوة والأمانة ، والموهبة والدين في شخص واحد هو قليل في الناس ، وقد روي عن عمر انه كان يقول اللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة .

يروى انه في دار من دور المدينة المباركة جلس عمر إلى جماعة من أصحابه فقال لهم: تمنوا. فقال أحدهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهباً أنفقه في سبيل الله. ثم قال عمر: تمنوا، فقال رجل آخر: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤاً وزبرجداً وجوهراً أنفقه في سبيل الله وأتصدق به. ثم قال: تمنوا، فقالوا: ما ندرى ما نقول يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: ولكني أتمنى رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله.

وقد جاء عن رسول اللهﷺ   : من ولي من أمر المسلمين شيئاً فولى رجلاً ( أي قلده عملا أو مسؤولية)وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه، فقد خان الله ورسوله.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : “من ولي من أمر المسلمين شيئاً فولى رجلاً لمودة أو قرابة او لمصلحة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين”

قالوا :إذا صلح الراعي صلحت الرعية . وقالوا ايضا : إذا صلحت الرعية صلح الراعي .

فما احوج الرعية اليوم في هذا الإستحقاق النيابي وفي غيره أن تحسن إختيار نوابها ومن يمثلها

( وكما تكونوا يولى عليكم.)

إذا فلنتقي الله فيمن نضع فيه ثقتنا ، ومن نسند إليه امرنا ، فإذا أحسنا الإختيار ، عندها يستقر الوطن ، وتشيع السعادة ، ويحلو طعم الحياة وتعود الحقوق الى أصحابها ، أما إذا إختلت الموازين والعياذ بالله، وقدمنا من لا يستحق التقديم ، فعندها تتكدر الحياة ، ونستحق كل ما يأتينا من سوء ومن مصير مجهول ومستقبل مظلم وينطبق علينا قول الله عز وجل { أَوَلَمَّاۤ أَصَابَتۡكُم مُّصِیبَةࣱ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَیۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ }

ونذكركم بحديث رسول اللهﷺ إذا ضيعت الأمانة فإنتظر الساعة قال :وكيف إضاعتها ؟ قال: إذا وسد الأمر الى غير اهله فانتظر الساعة .

 

مقالات ذات صلة