كلام صريح في رحيل البطريرك صفير

رغم التنافر والأختلاف اعترف ضمنياً بأن العلاقة السياسية الجيدة مع سوريا هي من أسس الأستقرار اللبناني

=====كتب طلال شتوي

بعد صمت اختياري احتراما لهيبة المقام وحرمة الموت، أقول:

– ان رحيل البطريرك مار نصرالله بطرس صفير عن عمر مديد وشيخوخة كريمة، قد يصّح وصفه بالحدث الحزين لعائلته ومحبيه والكنيسة المارونية، غير أن القول انه “حدث جلل” أصاب لبنان فيه من المبالغة القدر الذي لا يليق برجل دين وراهب متنسّك متقشّف تقاعد عن مهمتة الرعوية كبطريرك منذ سنوات بداعي التقدّم في العمر.

– توصيف الراحل بأنه بطريرك الأستقلال الثاني، هو استخدام سياسي لسيرة ومواقف رجل تمّيز بأنه كان قليل الكلام غير مهذار ومحتشما غير مجانّي. والكثير مما قيل في وعن صفير وهو ميت لم يكن ليجرؤ قائلوه على قوله خلال حياته.

– صحيح أن البطريرك صفير كانت له تحفظات على تطبيقات اتفاق الطائف الذي أسهم في تغطيته مسيحيا لأسباب واقعية، ولكن يغيّب كثيرون حقيقة أن هذه التحفظات شملت مسلمي ومسيحيي السلطة بالتساوي، وبالطبع الرعاية السعودية والأدارة السورية اللتين بالغتا في حماية تحريف الطائف وتفريغه من مضمونه الجوهري.

– القارىء الجيد والنزيه للعمل الوطني بمفهوم البطريرك صفير، لا يستطيع انكار علاقة الأحترام المتبادلة بين البطريرك والقيادة السورية، رغم التنافر والأختلاف.

بالنهاية، البطريرك كان يعتبر زيارته لسوريا التي لم تتم أهم من أن تكون رعوية أو سياحية معترفا ضمنيا بأن العلاقة السياسية الجيدة مع سوريا هي من أسس الأستقرار اللبناني.

بالمقابل، من المعروف كم حاولت سوريا استدراج صفير لزيارتها، ولا أعتقد أن هناك دولة تفعل ذلك مع شخص لا تقيم له وزنا كبيرا، والأهم انها تعترف ضمنيا أيضا بأن الأمور في لبنان لن تستقيم اذا لم تكن البطريركية المارونية راعية وراضية.

وأي حديث عن كراهيات تجاه سوريا والسوريين فيه اهانة للراحل الكبير، فالكراهيات الحقيقية هي ما شهدناه من مذابح ومجازر قام بها اللبنانيون ضد بعضهم البعض.

– تصوير البطريرك عدوا لحزب الله فيه دجل ممقوت، فالرجل لم يصطدم قط مع حزب الله، كما ان حزب الله لم يكن شريكا في تقاسم التركة المسيحية بعد الطائف.

أكثر من ذلك، للبطريرك صفير كلام واضح يقول فيه أن أهل الجنوب اضطروا للدفاع عن حياتهم وأرضهم ضد اسرائيل.

هذا لا ينفي أن البطريرك رأى أن جزءا من أهل الجنوب اضطروا للتوجه جنوبا صوب اسرائيل مرغمين بسبب تخلي الدولة الواهنة عنهم، وهو كلام يحتمل جدلا، غير أن البطريرك لم يقدّم مالا واعلاما وسلاحا لجيش لبنان الجنوبي، كما فعل آخرون. لقد قدّم لهم ما يمكن أن يقدّمه الأب الصالح لخرافه، التفهم والتسامح والرغبة بعودتهم الى حضن الوطن.

وأعتقد أن تحرير الشريط الحدودي عام 2000 ترافق مع ممارسات وطنية وواقعية لحزب الله مع أهل المنطقة المحررة تتلاقى بشكل أو بآخر مع رؤية صفير.

– حظي البطريرك صفير بوداع “وطني” بمقياس ما نسمّيه “العيش المشترك”، وهذا لا يضيف شيئا له، لكنه يمكن أن يضيف للبنان، اذ من المستحب في بلد مثل بلدنا أن يتسابق الطائفيون والمذهبيون والعنصريون من شتى الطوائف لأظهار مدى حبهم لبعضهم البعض، لربما في ذلك ندم خفي صامت على التذابح والتهجير والقتل على الهوية وكل ما ارتكبوه في تخريب لبنان الفكرة والصيغة والوطن.

– الوداع الصادق واللائق الذي استحقه الراحل تمثّل بكلمة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي. راجعوها بعناية، فهي لم تكن كلمة انشائية، وكل عبارة فيها صيغت بميزان من ذهب. ولا عجب! انها البطريركية المارونية…

– وبالمناسبة، من اعتقد يوما أن لبنان يبقى لبنان بدون الموارنة هو واهم.

ومن اعتقد أن لبنان يبقى لبنان بأسلمة الموارنة سياسيا هو أيضا واهم.

المهم أن يدرك الموارنة حجم مسؤولياتهم تجاه لبنان الذي صنعوه لنا جميعا وخرّبوه فوق رؤوسنا جميعا! لا تزال أمامهم وأمامنا فرصة قد تكون أخيرة…

(عن صفحته الفيسبوكية) 

مقالات ذات صلة