بكوتا أو بغير كوتا، لا بد من النساء في السلطة!

كتبت السيدة إيمان درنيقة الكمالي:

بعد فتح باب الترشيح ودعوة وزير الداخلية هيئة الاشراف على الانتخابات النيابية للقيام بمهامها يبدأ العد العكسي وينطلق قطار العملية الانتخاية التي، وإن تأجّل موعدها، باتت على الأبواب لا محال …

وفي حين كنا قبيل الانتخابات السابقة في عام ٢٠١٩، نطرح فكرة إقرار قانون الكوتا النسائية كباب ووسيلة لمباشرة النساء العمل السياسي، وبالرغم من الاخفاق في اقرار هذا القانون ومن إغفال القانون الانتخابي المستحدث عام ٢٠١٩ للكوتا النسائية، وعدم تحديده لاي نسبة لوجود النساء في البرلمان، أرى أنه اليوم وبعدكل المشاكل والكوارث الانهيارية التي نتكبدها ، وحالة الاحباط واليأس التي نعيشها ، لم يعد موضوع الكوتا النسائية من أولويات تفكيرنا ولم يعد الشعب اللبناني يهتم في من سيصل إلى الندوة البرلمانية ، رجلا كان أم امرأة او حتّى روبوت robot او كائنا فضائيا، إذ كل ما نريده ، في هذه المرحلة، هو أن ننتخب مَن يستطيع ويريد أن ينتشل لبنان من مِحنه ومصائبه بعد أن أصبح في حالة الزوال…

لكن، مهلا!!! اذا كان الحل المنشود لخلاص لبنان هو صنيعة أيدينا ونتيجة خياراتنا في صناديق الاقتراع، ألا يجدر بنا أن نعود لنفكر في هذه الخيارات ؟ ومن هنا ، وبتناقض لما ذكرت في المقدمّة، أرى أنه لا يمكن استبعاد أو تغييب حضور النساء في عالم السياسية…

لطالما اعتبر ميدان السياسة أنّه ميدان الرجال، وذلك لارتباطه بالقتال والحروب والصراعات؛ إلّا أننا اليوم ، وبلمحة سريعة في العديد من دول العالم، نرى بوضوح نسونة المشهدية السياسية. ففي اميركا مثلا ، نذكر نائبة الرئيس كامالا هاريس وهي أيضا رئيسة مجلس الشيوخ ، و رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي ، وفي ألمانيا نجد أنّ نصف المجلس الوزاري نساء، وأهم الوزارات هي بيد النساء ، نذكر منهن وزيرة الدفاع المسؤولة عن الجيش الألماني كريستينا لامبرشت، ووزيرة الداخلية المسؤولة عن أمن ألمانيا نانسي فيزر، ووزيرة الاقتصاد والمال كلارا بيوبتز ، ووزيرة الخارجية أنالينا بربو، ووزيرة التعليم بيتينا شتارك-فاتسينجر، ووزيرة البيئة شتيفي ليمكه، و انتقالا الى تونس ، فقد شكّلت تسمية الرئيس التونسي قيس سعيد للسيدة نجلاء بودن رمضان قفزة نوعية في مشاركة المرأة في الحياة السياسية في دول الشرق الأوسط، لتكون بذلك أول رئيسة لمجلس الوزراء في العالم العربي.

إضافة الى ذلك، فإنّ العديد من الدول قد جعلت الكوتا النسائية أمرا دستوريا والبعض الاخر أقرّت الكوتا النسائية بقوانين، ما جعل مشاركة المرأة في البرلمان واقعا مفروضا وملموسا ، وبعرض سريع على بعض الدول في سبيل المثال لا الحصر، نرى أن النساء يشكلن 39.5% من البرلمانيين في فرنسا ، و 43.7% في اسبانيا ، كما أن نسبة النساء في البرلمان الالماني الحالي ارتفعت لتصل الى 35 % بعد أن كانت 31% في حكومة أنجيلا ميركل ..

أما في الصين فتبلغ نسبة النساء البرلمانيات 24.9% ، و46% في تايوان، كما أنّ نسبة النساء البرلمانيات في المكسيك هي 48.2% من البرلمان، و 42.4% في الأرجنتين ،و 40%في البرتغال ، وقد وصلت الى 19.9% في السعودية والى 20.5% في المغرب، و27.4% في مصر ، و26.4% في العراق و 50% وفي الامارات العربية المتحدة، متجاوزة الكوتا المحددة لها ..

وهذا تأكيد على أن عالم السياسة لم يعد حكرا على الرجال وهذه المناصب ليست ” ذكورية” كما كان الاعتقاد في السابق، بل إنّ للمرأة دور أساسي في عالم السياسة وهي جزء لا يتجزأ من المجتمع السياسي، جزء لا يمكن قمعه أو تحييده أو تهميشه أو استبعاده بأي شكل من الأشكال ….

الأمر الذي ، وللأسف، لا ينطبق على لبنان ، ففي حين تبلغ نسبة الالتحاق الجامعي للإناث .54.4% ؛ فإنّ الموازين تختلف في عالم السياسة حيث أنّ نسبة النساء في البرلمان اللبناني لا تتعدّى ال 5%، وهذه النسبة المتدنية إن دلّت على شيء فإنّما تدل على الإجحاف الكبير في حق المرأة اللبنانيّة وفي حق جدارتها وكفايتها. فالمرأة اللّبنانيّة أثبتت- بما لا يدع مجالاً للشك، وفي الكثير من المحطات والمفاصل الحساسة- قدرتها على القيادة والريادة، وإمكانياتها في صنع التغيير وإحداث الفرق. كما أنّ المرأة بشكل عام لا تميل الى العنف والحرب، لذا فإن وجودها في عالم السياسة يقلّل من النزعة العداونية ، ويساعد على تحقيق الأمن الذي لم يعد اليوم مقتصرا على الأمن العسكري بل تعدّاه الى أنواع عديدة من الأمن، تندرج كلها تحت عنوان الأمن الإنساني ( كالأمن الصحي، الأمن البيئي، الأمن الاجتماعي، الأمن الاقتصادي، الأمن السيبراني….)

لست هنا ، بهدف تعظيم شأن المرأة أوالتقليل من شأن الرجل، الّا أنّني، وانطلاقا من مقولة” الشخص المناسب في المكان المناسب” أرى أنّ العديد من النساء اللبنانيات يتمتعن بمقوّمات علمية وثقافية عالية وهن صالحات للخوض في معترك العمل السياسي، كما انه ليس كل الرجال يصلحون للعمل في السياسة.. لذا لا يمكن استثناء نصف المجتمع من أي عمل سياسي ، كما لا يجوز على الاطلاق اهدار امكانات الدولة .. إننا اليوم لا ننادي بوجود نساء في الندوة البرلمانيّة ك ” كمالة عدد” أو من باب تغيير أو نسونة مشهدية البرلمان اللبناني؛ إنّما ندعو النساء اللبنانيات الى اقتحام هذا العالم بقوّة وثقة وعزم، لايماننا بكفاءتهن وقدرتهن على احداث الاصلاح المنشود..

أعزائي ، إنّ وضع لبنان اليوم يؤكد أننا بحاجة الى تغيير جذري وحتمي، وإلى إحداث نتائج انقلابية من شأنها قلب المشهد السياسي والاداء السياسي ككل!! نحن بحاجة الى وجوه جديدة وأفكار جديدة ونهج وعقلية جديدة..

معا لوصول النساء القائدات الى مواقع السلطة ، ولتكن بداية المشوار من الانتخابات النيابية المقبلة.

 

* أستاذة جامعيّة