قصة الأزمة الأخطر بين «التيار الحر» و«حزب الله»!

تمر العلاقة بين «حزب الله» و»التيار الوطني الحر» في واحدة من أشد الأزمات صعوبة وخطورة منذ ولادتها في كنف كنيسة مار مخايل في شباط 2006، برعاية شخصية من السيد حسن نصرالله والعماد ميشال عون، فهل دخل التفاهم الشهير في فصل خريفه السياسي أم انّ تجديد ربيعه ممكن بعد؟

هذه العلاقة التي صمدت في مواجهة عواصف عاتية خلال أكثر من 15 عاما، تبدو حاليا أمام اختبار مفصلي ومصيري لا يشبه كل ما سبقه، بعدما تطور «التمايز المشروع» بين الجانبين في اتجاه سلبي مع تراكم التحديات، بحيث أصبح تبايناً ثم خلافاً يبدو أنه مرشح لأن يغدو انقساما، اذا اتسع الشرخ الحالي ولم تتم معالجته قبل استفحاله.

ولعل أخطر ما في التجربة الراهنة التي يمر فيها «تفاهم مار مخايل» هو ان الحماسة له تراجعت في صفوف شريحة من القواعد الحزبية وليس على المستوى القيادي فقط، خصوصا لدى «التيار الحر»، بعدما كان الإنجاز الأهم الذي حققه «التفاهم» يكمن في نجاحه النوعي في التمدد من فوق الى «الأرض»، كاسرا الحواجز النفسية بين مكونين أساسيين.

وعلى رغم ان كيل التيار طفح وصوته ارتفع بعد سقوط طعنه أمام المجلس الدستوري، الا ان «الحزب» لا يزال يتمسك بتطبيق سياسة «ضبط النفس» تنفيذاً لتعميم صارم يقضي بعدم الرد على المواقف التصعيدية التي تطلقها شخصيات التيار في هذه المرحلة.

وأبعد من ذلك، تُبدي قيادات الحزب خلال مناسبات غير معلنة حرصاً على مراعاة خواطر رئيس الجمهورية ميشال عون والنائب جبران باسيل، والاشادة بالتحول الاستراتيجي الذي صنعه الجنرال في البيئة المسيحية، لا سيما لجهة دوره الحيوي في إعادة تعزيز ارتباطها بالمشرقية.

ويتفادى الحزب حتى الآن إعطاء اي إشارة الى انه في صدد التراجع عن التفاهم مع التيار «الذي نريده ان يبقى قوياً ولا يخسر، لأن اي خسارة له ستصيبنا بشظاياها على الصعيد الاستراتيجي».

يدرك الحزب ان المشكلة التي يواجهها تتمثل في انتفاء الكيمياء بين حركة «أمل» و«التيار الحر»، ولعل أصعب، بل أسوأ، موقف يوضع فيه دعوته الى الاختيار بينهما، وهو يحاول قدر الإمكان ان لا يتجرع هذه الكأس المرّة، طالباً من التيار ان لا يحشره في الزاوية الضيقة، لأنه لن ينزلق الى نزاع مع رئيس مجلس النواب نبيه بري مهما اشتد الضغط عليه وأياً كانت التبعات.

ولكن، لماذا وصلت الأمور إلى هنا؟ وكيف يسرد المطلعون رواية التيار؟

يعتبر التيار انه لطالما تفهّم خصوصيات الحزب، وتحديداً بالنسبة الى ما يتعلق بطبيعة علاقته مع بري، وبالتالي فهو يؤكد انه سلّم بمعادلة ان وحدة الطائفة الشيعية هي فوق كل اعتبار وأن التحالف بين الحزب وبري ثابت ولا يتزحزح.

لكن التيار يشكو من أن الحزب يبالغ في تطبيق تلك المعادلة وفي الترجمة السياسية لها، الى درجة انها باتت تنعكس سلباً على «وثيقة مار مخايل» ومفاعيلها، مستشعراً بأن الحزب صار يعطي الاولوية القصوى لتحالفه مع رئيس مجلس النواب على حساب التزاماته الأخرى: «عندما نسألهم لماذا تقاطعون الحكومة؟ وما سبب الحملة العنيفة على القاضي طارق البيطار؟ ولماذا تظاهرتم في الطيونة؟ وماذا عن موقفكم من الكابيتال كونترول؟ يجيبون بكلمة واحدة: الرئيس بري».

بالنسبة إلى التيار، يأتي هذا الرد لينسف في كل مرة اي جدوى من النقاش الذي يصبح بلا معنى.

ومن زاوية التيار انه تحمّل وصبر ما فيه الكفاية مراعاةً للتحالف، لكن ما حصل في ملف الطعن أمام المجلس الدستوري أدى إلى ان يطفح الكيل: «كان «حزب الله» قد أعطانا التزاما واضحا بأنه سيكون الى جانبنا في المجلس الدستوري لأنه مقتنع بجوهر الطعن. الا اننا فوجئنا بتنصّله من هذا التعهد وبالانقلاب علينا. ومعروف ان احد القاضيين الشيعيين قريب منه ولو صَوّت مع قبول الطعن لتغيرت النتيجة، أما محاولة إنكار المونة عليه فهو تهرّب من الحقيقة والمسؤولية. ونحن لا نفهم كيف أن هذا القاضي صوّت الى جانب القاضي المحسوب على «القوات اللبنانية» فيكون بذلك الحزب، الذي دفع ثمن ما فعلته «القوات» في الطيونة، قد ساهم في إهدائها ما اعتبرته انتصارا لها».

من وجهة نظر التيار، ان الحزب أساء الى مصلحته ومصلحة حلفائه عندما ساعد على إجهاض الطعن. في رأيه «ان هناك اعتبارات اغترابية ووطنية كانت تفرض تخصيص الانتشار بمقاعد نيابية في الخارج بغية توليد دينامية كبيرة لمصلحة لبنان وحماية المنتشرين من مؤثرات الداخل السلبية»، أما حصر تصويتهم في الدوائر التي يتبعون لها في البلد فهو يعني، وفق تقديرات التيار، «انّ المغتربين في الخليج وأوروبا وكندا وأستراليا واميركا لن يتجرأوا على التصويت لمرشحي الحزب بفِعل تصنيفه على لوائح الإرهاب، ولن يقتصر الضرر عليه بل سيشمل أيضا حلفاءه في الخط العريض، خصوصا ان الغربيين يولون أهمية استثنائية للانتخابات المقبلة، وهم اذا كانوا يدعمون علناً في الداخل جماعات الـ«ngos» ويمدّونها بالتمويل فليس صعباً توقّع ما الذي يمكن أن يفعلوه في دولهم وكيف يمكنهم التأثير في خيارات المنتشرين».

ملف آخر أدى إلى تفاقم الخلاف مع الحزب وهو التحقيق في انفجار المرفأ ودور المحقق العدلي القاضي طارق البيطار. هنا كذلك، تكبر لائحة شكاوى «التيار الحر» من نمط مقاربة «حزب الله» لهذه القضية: «نحن معترضون أيضا على بعض تصرفات القاضي البيطار إنما ليس بهذه الطريقة تتم مواجهته. التحدي والهجوم أدّيا الى إيجاد عصب له وإحاطته بتضامن شعبي واسع. كان الأفضل أن يجري تفكيك مقاربته للملف بهدوء خصوصا ان هناك حججا قوية يمكن الاستناد اليها في هذا الإطار. ومن هذا الذي يصدّق حقاً اننا متواطئون معه ونستخدمه لتصفية حسابات سياسية كما يروّج خصومنا، في حين اننا كنا من اوائل الذين دفعوا ثمن استنسابيته عبر التوقيف الظالم لبدري ضاهر ومحاولة توقيف مدير جهاز امن الدولة اللواء طوني صليبا؟ غير ان ما يميّزنا عن سوانا هو اقتناعنا بأن تصويب سلوكه لا يكون من خلال مهاجمته وتحديه، إنما عبر استعمال الحجة والمنطق وصولاً الى إقناع الرأي العام بصوابية الطرح المعارض له، علما انه بعد إزاحة فادي صوان ليس سهلا ان تزيح طارق البيطار فقط لأنه لم يعجب البعض. الأمور لا تتم بهذه الخفة».

ويستغرب التيار «وجود إصرار على كسرنا من خلال الإلحاح على ان نصوّت لإحالة ملف المسؤولين السياسيين المدعى عليهم الى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء عبر جلسة نيابية، بدل الاكتفاء بأن نشارك لتأمين نصاب انعقاد الجلسة من دون أن نصوّت الى جانب الإحالة لكي نظل منسجمين مع موقفنا الاصلي، علماً انّ هناك حلولاً أخرى تراعي الاصول القانونية والدستورية يمكنها ان تحقق الغرض المطلوب من دون تدفيعنا الثمن».

وما زاد الأمر تعقيدا، تبعاً للتيار، هو أنه «عندما استدعى القاضي صوان النائبين علي حسن خليل وغازي زعيتر تجاوبا معه ومَثلا امامه، وبالتالي لا يستطيع بري و«حزب الله» أن يبدّلا رأيهما فجأة حيال مبدأ ملاحقة البيطار للنائبين، فقط لأنه قرر الادعاء عليهما. نحن واثقون من أن الحزب لا علاقة له بالنيترات وحتى خليل ربما لا يتحمل مسؤولية وهناك كثر يأتون قبله في سلّم التقصير او التورط، ومن غير الجائز اساساً اختزال المسألة بالإهمال الوظيفي إذ يجب التشديد على فك لغز دخول النيترات ووقوع الانفجار، الا انّ مجمل استراتيجية الدفاع السياسي المعتمدة غير مجدية وتعطي مفعولا عكسيا يخدم القاضي ويضر المتهمين».

وبينما يربط البعض «الانتفاضة البرتقالية» بالسعي الى اجتذاب واشنطن نحو إجراء مقايضة على قاعدة إنهاء التحالف مع الحزب في مقابل رفع العقوبات عن النائب جبران باسيل، يؤكد التيار ان هذا الاستنتاج غير صحيح، «ولو كانت هذه هي حساباتنا لكان أسهل على باسيل تفادي العقوبات أساساً من خلال قبول العروض الأميركية التي سبقتها بالانفصال عن الحزب، بدل محاولة رفعها بعد فرضها».