الانتخابات النيابية رهان على سراب…

كتب خضر رسلان

تعدّ الانتخابات بمثابة الوسيلة الأساسية التي تؤهّل الناس للمشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلدانهم، وتعتبر حقاً أساسياً من حقوق الإنسان كافحت من أجله الشعوب في الكثير من بلاد العالم.

ومن أهمّ الخصائص المطلوبة للانتخابات: ان تكون نزيهة وشفافة، وأهمّ معايير النزاهة وجود قانون انتخابي عادل وفعّال، وهي خصائص ومعايير غير موجودة في الحالة اللبنانية، وشواهدها كثيرة بدءاً من القانون الانتخابي الذي لا يعكس بالضرورة صورة الإرادة الشعبية الحقيقية، وايّ مراقب محايد يستطيع ان يستنتج ذلك الأمر من خلال تقسيم الدوائر الذي فصّل في العديد منها وفقاً لمصالح زعماء أو طوائف، بحيث نرى دائرة تضمّ عدة مئات من الألوف يخصّص لها نفس عدد المقاعد لدائرة أخرى لا يتعدّى ناخبوها الآلاف، وهذا يعكس خللاً فاضحاً في التمثيل الشعبي، هذا إضافة الى شوائب كثيرة ترافق العملية الانتخابية، سواء منها المال الانتخابي او التجييش الإعلامي والطائفي، وكلها عوامل تمسّ بالخصائص الأساسية للانتخابات من حيث النزاهة والعدالة، إلّا انّ الأخطر من كلّ ما سلف هو العامل الخارجي الفجّ والفاضح الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية وأدواتها سواء منها الإقليميون او المحليون، ويعمل تحت شعار إسقاط حزب الله وحلفائه.

انّ مشروع النيل من المقاومة وما تجسّده، ليس فقط كقوة عسكرية وأمنية وسياسية استطاعت كسر وإسقاط المشاريع الأميركية (ومنها الحركات التكفيرية) «الإسرائيلية»، بل بما تمثله على مستوى المفاهيم في صراع الإرادات، حيث يُراد من خلال ضرب حزب الله بعد العمل على تشويه صورته وإلصاق كلّ تهمّ الإرهاب وتبييض الأموال والإتجار بالمخدرات به، كسر أحد أهمّ معاقل الإرادة الحرة والصلبة والمقاومة في المنطقة عربياً وإسلامياً، ليكون بمثابة الدرس الذي يُراد تلقينه لكلّ القوى الشريفة والحريصة على السيادة والحرية والاستقلال والعزة والكرامة في هذه المنطقة.

‏وفي هذا الإطار وبعدما نجحت المقاومة في إسقاط كلّ الرهانات العسكرية المدعومة أميركيًا ومن ضمنها المشروع التكفيري الذي كان يُراد منه إلغاء الكيان اللبناني بتغطية من عدد من الدول العربية وبمؤازرة من قوى محلية لبنانية تنشط حالياً في استغباء الناس بشعارات انتهازية انتهجت الإدارة الأميركية لتحقيق أهدافها استراتيجية مغايرة تعتمد على حرب ناعمة تهدف الى شيطنة حزب الله لإسقاطه والهدف يبقى المقاومة وسلاحها الذي يقف حائلاً أمام مشاريع التطبيع مع العدو «الإسرائيلي» ورادعاً له من محاولاته سرقة موارد وثروات لبنان النفطية والغازية

وفي سياق متصل ترى الولايات المتحدة الأميركية في الانتخابات النيابية اللبنانية المقبلة محطة وفرصة يمكن الرهان عليها لتحقيق ما تربو إليه مشيعة عبر الكثير من الأبواق المدفوعة الثمن أنّ ما يشهده لبنان اليوم من صعوبات وأزمات خانقة وضغوط اجتماعية سببه حزب الله وسلاحه، مراهنين على انّ هذا المنحى سوف يخلق مناخات مؤاتية من أجل بدء مرحلة تصفية الحساب مع المقاومة.

بناء على ما تقدّم واستناداً الى الوقائع التاريخية التي استطاعت فيه المقاومة إفشال كلّ السيناريوات التي راهنت على إسقاطها يُضاف إليه قوة وصلابة القوى الشعبية الحاضنة التي ذاقت وبال الاعتداءات الصهيونية والغزوات التكفيرية ووجدت في المقاومة عنصر أمان واستقرار يُضاف الى ذلك عوامل ثلاثة:

1 ـ بنية المقاومة المستندة على الفكر الإيماني أولاً ومن ثم شدة عودها والتي راكمت قوّتها حتى أصبحت رقماً أساسياً وفاعلاً على مستوى المنطقة ولا يمكن تجاوزه.

2 ـ المتغيّر الإقليمي الحليف للمقاومة والمتمثل بالدور السوري المرتقب وحاجة الدول العربية المؤثرة والفاعلة في لبنان على إعادة خيوط التواصل مع الدولة السورية وهذا ما سينعكس حكماً على الداخل اللبناني بما لا يتناسب مع رهانات خصوم المقاومة.

3 ـ طبيعة النظام اللبناني الطائفي والهش المحكوم بالتوافق بين أطيافه، وبالتالي فإنّ خيارات المراهنين على إحداث تغييرات حاسمة نتيجة لانتخابات نيابية تعوزها القراءة الموضوعية للواقع وللتاريخ.

بناء على ما تقدّم فإنّ الاستنتاج المنطقي يشير الى انّ الرهان على إحداث تغييرات جوهرية تمسّ الخيارات الوطنية نتيجة لانتخابات نيابية فصل من فصول الأوهام الفارغة ومآلها الحتمي السراب والخيبة…

مقالات ذات صلة